وطن-في مؤشر جديد على التحولات داخل المشهد السياسي البريطاني، فتحت الإمارات قنوات تواصل مباشرة مع زعيم حزب «ريفورم UK» اليميني نايجل فاراج، في خطوة تعكس اهتمام أبوظبي المتزايد بالقوى السياسية الصاعدة في بريطانيا، خصوصاً تلك التي تتبنى خطاباً متشدداً تجاه الإسلام السياسي والهجرة.
وخلال زيارة أجراها إلى لندن، التقى وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، بزعيم حزب «ريفورم UK» نايجل فاراج، في لقاء أثار اهتمام الأوساط السياسية البريطانية، نظراً إلى أن فاراج لا يشغل أي منصب حكومي رسمي، لكنه يقود حزباً يحقق صعوداً متسارعاً في استطلاعات الرأي والانتخابات المحلية.
وبحسب ما نقلته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، فإن اللقاء الذي جرى يوم 15 مايو 2026 تناول التطورات الإقليمية، إضافة إلى ما وصفته الخارجية الإماراتية بـ«الهجمات الإرهابية الإيرانية غير المبررة» ضد الإمارات، إلى جانب بحث العلاقات الاستراتيجية بين أبوظبي ولندن.
وعلى الرغم من أن عبدالله بن زايد عقد لقاءات رسمية مع مسؤولين بريطانيين، بينهم نائب رئيس الوزراء ديفيد لامي ومستشار الأمن القومي جوناثان باول، فإن إدراج اجتماع مع فاراج ضمن برنامج الزيارة حمل دلالات سياسية لافتة، خصوصاً مع تنامي الحديث داخل بريطانيا عن احتمال تحول حزب «ريفورم UK» إلى قوة مؤثرة في أي معادلة حكم مقبلة.
صعود «ريفورم UK» يلفت أنظار أبوظبي
حقق حزب «ريفورم UK» خلال الأشهر الأخيرة تقدماً انتخابياً ملحوظاً، مستفيداً من تصاعد الخطاب الشعبوي المرتبط بقضايا الهجرة والهوية والأمن الداخلي، وهو ما جعله لاعباً متقدماً في المشهد السياسي البريطاني.
وترى أوساط سياسية أن الإمارات بدأت تتعامل مع فاراج باعتباره استثماراً سياسياً طويل الأمد، خاصة مع تزايد احتمالات إعادة تشكيل الخريطة الحزبية البريطانية خلال السنوات المقبلة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن نقطة الالتقاء الأساسية بين أبوظبي وفاراج تتمثل في العداء المشترك لجماعة الإخوان المسلمين والتيارات المرتبطة بالإسلام السياسي، وهو ملف يشكل أولوية مركزية في السياسة الإماراتية منذ سنوات.
وكان فاراج قد تعهد في سبتمبر الماضي بحظر جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا إذا وصل حزبه إلى السلطة، مشيراً إلى أن دولاً خليجية، بينها الإمارات، اتخذت بالفعل هذا القرار.
علاقات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي
لم يبدأ التقارب بين الطرفين مع لقاء لندن فقط. فقد كشفت تقارير سابقة أن فاراج شارك في فعاليات خاصة بدبي خلال الأشهر الماضية، بينها حفل نظمته قناة «GB News» البريطانية بحضور وزير الصناعة والتكنولوجيا الإماراتي سلطان أحمد الجابر.
وخلال ذلك الحدث، أثنى فاراج بشكل علني على السياسات الإماراتية، معتبراً أن بريطانيا «لديها الكثير لتتعلمه من الإمارات»، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع جماعة الإخوان المسلمين.
كما نقلت تقارير عن فاراج قوله لمسؤولين إماراتيين: «نحن ندرك أنكم أصدقاؤنا»، مضيفاً أن «بريطانيا ما بعد بريكست، وبريطانيا التي يقودها ريفورم، ستتذكركم».
وتكشف هذه التصريحات عن محاولة متبادلة لبناء علاقة سياسية تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، نحو شراكة قائمة على تقاطع المصالح والرؤى الأمنية والسياسية.
خطاب مثير للجدل تجاه المسلمين
لكن صعود فاراج وحزبه لم يخلُ من الجدل. فقد تعرض زعيم «ريفورم UK» لانتقادات واسعة بسبب تصريحاته المتكررة حول المسلمين والإسلاميين داخل بريطانيا.
وفي فبراير الماضي، تحدث فاراج عن ما وصفه بـ«تغلغل الإسلاميين» داخل المؤسسات البريطانية، بما فيها النظام التعليمي والشرطة، بينما أثارت تصريحاته في مارس حول المسلمين المشاركين في فعالية دينية بميدان ترافالغار موجة غضب جديدة، بعدما اعتبر أن ما يحدث يمثل «محاولة لفرض الهيمنة على الثقافة البريطانية».
ويتبنى الحزب خطاباً متشدداً في ملفات الهجرة والأمن، ويتحدث عن إنشاء جهاز شبيه بوكالة الهجرة والجمارك الأمريكية «ICE»، إلى جانب توسيع مراكز احتجاز المهاجرين.
وترى منظمات حقوقية أن هذا الخطاب يعزز الانقسام المجتمعي ويزيد من الضغوط على الجاليات المسلمة داخل بريطانيا، في حين يعتبره مؤيدو الحزب جزءاً من سياسة «استعادة السيطرة» على الحدود والهوية الوطنية.
الإمارات والإخوان.. معركة ممتدة
تحظر الإمارات جماعة الإخوان المسلمين وتصنفها تنظيماً إرهابياً، كما تتبنى موقفاً إقليمياً صارماً تجاه الحركات المرتبطة بالإسلام السياسي.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسم أبوظبي بعدد من الحملات السياسية والإعلامية التي استهدفت منظمات وشخصيات تتهمها الإمارات بالتقارب مع الإخوان المسلمين، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا.
وفي يناير 2025، صنفت الإمارات ثماني منظمات بريطانية ككيانات إرهابية بسبب مزاعم عن صلات لها بالإخوان المسلمين، رغم عدم اتهام هذه الجهات بخرق القوانين البريطانية.
كما تحدثت تقارير غربية عن تمويل إماراتي لحملات استخباراتية وإعلامية هدفت إلى ربط مؤسسات إسلامية بريطانية بجماعات متشددة، وهي اتهامات نفت أبوظبي مراراً أي مخالفة قانونية بشأنها.
تحالفات جديدة في بريطانيا ما بعد بريكست
يعكس اللقاء بين عبدالله بن زايد ونايجل فاراج، وفق مراقبين، توجهاً إماراتياً نحو بناء علاقات مع القوى السياسية غير التقليدية داخل أوروبا، خصوصاً تلك التي قد تمتلك تأثيراً مستقبلياً في الحكم وصناعة القرار.
كما يكشف عن تقاطع واضح بين رؤية أبوظبي الأمنية الإقليمية، والخطاب السياسي الذي يتبناه حزب «ريفورم UK» بشأن الإسلام السياسي والهجرة والهوية.
وفي ظل التحولات المتسارعة داخل السياسة البريطانية بعد «بريكست»، تبدو الإمارات حريصة على توسيع شبكة علاقاتها داخل المشهد الحزبي البريطاني، استعداداً لأي تغييرات قد تعيد رسم توازنات السلطة في لندن خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضاً
بسبب “التصويت لفلسطين”.. حزب العمال يخسر قلاعه التاريخية ويواجه اتهامات بتطبيع الإسلاموفوبيا
أزمة القيادة في بريطانيا: 81 نائباً يفصلون ستارمر عن صراع الزعامة داخل حزب العمال
ترامب يهاجم ستارمر: بريطانيا لم تعد “نفس الدولة” وتخضع لضغوط الناخبين المسلمين بشأن إيران

