وطن-في خطوة لافتة داخل واحدة من أكثر الأسواق اعتماداً على بيوت الاستشارات العالمية، أوقفت السعودية إصدار عقود جديدة للمستشارين الغربيين، كما أرجأت بعض المدفوعات المرتبطة بفواتير قائمة، بالتزامن مع ارتفاع إيرادات صادرات النفط إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدفوعة بتداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن القرار السعودي يأتي ضمن مراجعة أوسع للإنفاق والمشروعات الكبرى، بدأت ملامحها قبل اندلاع الحرب على إيران، لكنها اكتسبت زخماً أكبر بعد تغيرات السوق والضغوط المالية المرتبطة بزيادة الإنفاق الحكومي والعسكري.
وبحسب ما نقلته صحيفة “فايننشال تايمز”، فإن وقف العقود الاستشارية الجديدة جاء بعد اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. ونقلت الصحيفة عن مسؤول تنفيذي قوله إن بعض المدفوعات المستحقة على فواتير قائمة جرى تأجيلها حتى نهاية الربع الثاني من العام، أي نهاية يونيو، في حين نفت السعودية أنها أوقفت المدفوعات.
ورغم أن عدداً من التنفيذيين ربطوا القرار بتداعيات الحرب على إيران، فإن المؤشرات الأوسع تكشف أن تحفظ الرياض تجاه المستشارين الغربيين لا يرتبط فقط بصدمة الحرب، بل يأتي في سياق إعادة تقييم أعمق لأولويات الإنفاق، ولا سيما في المشروعات العملاقة التي اعتمدت خلال السنوات الماضية على شركات استشارية دولية كبرى.
وأضاف موقع “ميدل إيست آي” أن السعودية، على عكس عدد من دول الخليج، تمكنت من الاستفادة نسبياً من ارتفاع أسعار النفط، بفضل قدرتها على مواصلة التصدير رغم الاضطرابات في المنطقة. فقد قفزت إيرادات صادرات النفط السعودية في مارس إلى 24.7 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر 2022، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء.
ويعود هذا الارتفاع، بحسب التقرير، إلى صعود أسعار الخام والمنتجات المكررة نتيجة الحرب، إلا أن الاستفادة الخليجية لم تكن متساوية. فباستثناء الإمارات، التي تمتلك خط أنابيب يتجاوز مضيق هرمز عبر الفجيرة، وسلطنة عمان التي تعد منتجاً أصغر مقارنة بجيرانها، لم تتمكن أغلب دول الخليج من تعظيم مكاسبها من ارتفاع أسعار النفط والغاز بسبب تعطل حركة الإمدادات عبر المضيق.
وأوضح موقع “ميدل إيست آي” أن مضيق هرمز أصبح عملياً مغلقاً بفعل الحصارين المتنافسين الأميركي والإيراني، ما جعل خطوط التصدير البديلة عاملاً حاسماً في قدرة الدول المنتجة على الوصول إلى الأسواق العالمية.
وفي الحالة السعودية، لعب خط الأنابيب شرق-غرب، الذي يربط الساحل الخليجي للمملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، دوراً محورياً في تجاوز أزمة هرمز. وبفضل هذا الخط، تواصل السعودية التصدير عند نحو 70% من مستويات ما قبل الحرب، في وقت يتم فيه تداول خام برنت، المعيار العالمي، عند مستويات أعلى بنحو 50% مقارنة بما كان عليه قبل اندلاع الحرب.
لكن الطفرة النفطية لم تُنهِ الضغوط المالية على الميزانية السعودية. فبحسب ما أورده موقع ميدل إيست آي، لا تزال المملكة تسجل عجزاً مالياً، ما يعني أن الإنفاق الحكومي يتجاوز الإيرادات. وبلغ العجز في الربع الأول من العام 33.5 مليار دولار، بينما ارتفع إجمالي الإنفاق الحكومي بنسبة 20% على أساس سنوي.
وتقول السعودية إن زيادة الإنفاق جاءت لدعم الاقتصاد الأوسع في ظل ظروف إقليمية استثنائية. كما ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 26% خلال الربع الأول، في ظل رد المملكة على هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة من جانب إيران، وفق ما ذكره التقرير.
وفي الأشهر الأخيرة، بدأت الرياض تقليصاً واضحاً لبعض المشروعات العملاقة التي تعتمد بكثافة على المستشارين الخارجيين، مع تحويل جزء من التركيز نحو قطاعات الخدمات اللوجستية والتعدين والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول أن مشروع “نيوم”، وهو المشروع الأضخم ضمن رؤية 2030، غاب بالكامل عن البيان التمهيدي للميزانية السعودية لعام 2026.
وقالت “فايننشال تايمز” إن التراجع عن التوسع في العقود الاستشارية يعكس تغيراً في طريقة تعامل السعودية مع المشروعات الضخمة بعد سنوات من الإنفاق الكبير على الدراسات والخطط والتصاميم. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كانت المملكة سوقاً جاذبة لشركات الاستشارات الغربية، لكن الطفرة الحقيقية جاءت بعد إطلاق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برنامج “رؤية السعودية 2030” في عام 2016.
ومع إطلاق الرؤية، وجدت شركات مثل “ماكينزي” و”بوسطن كونسلتنغ غروب” فرصاً واسعة داخل المملكة، حيث لعب المستشارون الغربيون دوراً كبيراً في تخطيط وتطوير مشروعات كبرى، وعلى رأسها “نيوم”، الذي كان من المفترض أن يضم منتجعاً للتزلج بثلوج اصطناعية، ومدينة “ذا لاين” الممتدة على خط مستقيم بطول 170 كيلومتراً.
غير أن موقع “ميدل إيست آي” أشار إلى أن عدداً من هذه المشروعات الطموحة بدأ يواجه مراجعات حادة حتى قبل الحرب على إيران، بعدما أدركت الرياض حجم التكلفة الهائلة وصعوبة جذب المستثمرين الدوليين بالزخم المتوقع. فعلى سبيل المثال، كانت السعودية تدرس في يوليو 2025 خفض عدد العاملين في “نيوم”، في مؤشر مبكر على إعادة ضبط المشروع.
وفي ديسمبر الماضي، قال وزير المالية السعودي محمد الجدعان إن المملكة “لا تملك غروراً” يمنعها من إعادة تقييم المشروعات، في إشارة إلى استعداد الحكومة لمراجعة الأولويات وتعديل الخطط إذا اقتضت الحاجة الاقتصادية ذلك.
وبحسب ما أورده موقع “ميدل إيست آي”، فإن العلاقة بين بعض التنفيذيين الغربيين العاملين في “نيوم” والكوادر السعودية لم تكن دائماً سلسة. فقد تحدثت تقارير عن أن بعض المسؤولين الأجانب كانوا يوجهون انتقادات مهينة للسعوديين الذين يعملون معهم ولصالحهم في نهاية المطاف.
ومن بين الأسماء التي أثارت الجدل، واين بورغ، الذي كان يرأس قسم الإعلام في “نيوم”. وذكرت تقارير أنه عُرف بنوبات غضب تضمنت إساءات للإسلام، وإشارات مبتذلة ذات طابع جنسي، وتعليقات مهينة بحق نساء من الخليج العربي. وتسلط هذه الوقائع، وفق مراقبين، الضوء على جانب آخر من مراجعة المملكة لعلاقتها بالمستشارين الأجانب، لا يتعلق فقط بالتكلفة المالية، بل أيضاً بثقافة العمل وطبيعة النفوذ الذي مُنح لبعض الخبراء الغربيين داخل المشروعات الوطنية الكبرى.
وتكشف التطورات الأخيرة أن السعودية تمضي نحو مرحلة أكثر انتقائية في إدارة الإنفاق والمشروعات ضمن “رؤية 2030”، حيث لم تعد الأولوية لمجرد إطلاق مشروعات عملاقة، بل لقياس الجدوى والعائد ومواءمة الخطط مع المتغيرات المالية والجيوسياسية. وبين ارتفاع عائدات النفط واستمرار العجز المالي، يبدو أن تقليص الاعتماد على المستشارين الغربيين أصبح جزءاً من إعادة ترتيب أوسع لأولويات الاقتصاد السعودي في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
اقرأ المزيد
مبادرة “هلسنكي” السعودية: هل ينهي اتفاق “عدم الاعتداء” مع إيران عقوداً من الصراع في الشرق الأوسط؟
تركي الفيصل: السعودية أحبطت مخططاً إسرائيلياً لجرّ المملكة إلى حرب مع إيران
أخطر تحول في تاريخ الأراضي المقدسة.. السعودية تفتح مكة للاستثمار العالمي

