وطن-في الأيام الأولى من الحرب على إيران، شكّل مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إلى جانب عدد من أبرز قادة النظام، نقطة تحول غير مسبوقة في طبيعة الصراعات الحديثة. فبالنسبة لواشنطن وتل أبيب، لم يكن الأمر مجرد ضربة عسكرية عالية المستوى، بل محاولة لإعادة تشكيل النظام الإيراني من الداخل عبر استراتيجية تقوم على «قطع رأس القيادة».
لكن على الرغم من الصدمة الهائلة التي أحدثتها العملية، فإن التطورات اللاحقة كشفت أن اغتيال القادة الكبار لا يساوي بالضرورة انهيار الدول أو تحقيق انتصار سياسي حاسم، بل قد يؤدي أحياناً إلى نتائج معاكسة تماماً.
منطق «قطع الرأس».. بين الإرباك والوهم السياسي
تعتمد استراتيجية «قطع رأس القيادة» على فكرة بسيطة ظاهرياً: إزالة القادة الأساسيين لإرباك الخصم وإضعاف قدرته على إدارة الصراع. وقد استخدمت هذه المقاربة في حروب عديدة، سواء ضد جماعات مسلحة أو ضد دول.
غير أن الدراسات الحديثة في شؤون الأمن والصراعات تشير إلى أن هذا النوع من العمليات يحقق غالباً تأثيراً تكتيكياً مؤقتاً، أكثر من كونه أداة قادرة على صناعة تحول استراتيجي دائم.
فالتنظيمات والدول التي تمتلك مؤسسات عميقة وهياكل أمنية وعسكرية متماسكة لا تنهار تلقائياً بمقتل قائدها، بل تعيد إنتاج نفسها بسرعة، خصوصاً عندما تكون بنية النظام مصممة أصلاً لتحمل الصدمات.
إيران بعد خامنئي.. النظام لم يسقط
على الرغم من اغتيال خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، لم تدخل إيران مرحلة الانهيار التي توقعها بعض المخططين في واشنطن وتل أبيب.
فخلال فترة قصيرة، أعادت مؤسسات الدولة الإيرانية ترتيب مراكز القوة، وانتقلت القيادة إلى مجتبى خامنئي بدعم من الحرس الثوري والمؤسسات الدينية والأمنية.
وبدلاً من فتح الباب أمام تسوية سياسية أو انتفاضة داخلية، بدا أن العملية عززت خطاب المواجهة داخل النظام، ودفعت شخصيات أكثر تشدداً إلى الواجهة.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية في هذا النوع من العمليات: النجاح العسكري لا يضمن بالضرورة نجاحاً سياسياً.
الاغتيال يربك الخصم.. لكنه لا يحدد سلوكه
تشير أبحاث عديدة إلى أن اغتيال القادة قد يخلق حالة ارتباك مؤقتة داخل الأنظمة أو التنظيمات المستهدفة، لكنه لا يحدد شكل الرد السياسي اللاحق.
فالدولة قد تصبح أكثر عدوانية بعد الضربة، أو أكثر انغلاقاً، أو أكثر استعداداً للمواجهة الطويلة، خصوصاً إذا شعرت أن وجودها بات مهدداً بشكل مباشر.
وفي الحالة الإيرانية، بدا أن اغتيال القيادة لم ينتج «إيران أكثر مرونة»، بل قيادة تعتبر أن أي تراجع سيُفسر كاستسلام.
إسرائيل وتجارب الاغتيال السابقة
إسرائيل تمتلك تاريخاً طويلاً في استخدام الاغتيالات ضد خصومها، سواء في فلسطين أو لبنان أو خارج المنطقة.
وقد نجحت عمليات كثيرة في إضعاف قدرات تنظيمية وقيادية لدى حركات مثل حماس وحزب الله، لكنها لم تؤد غالباً إلى إنهاء الصراع أو القضاء الكامل على الخصوم.
بل إن التجارب السابقة أظهرت أن بعض التنظيمات تعيد بناء نفسها بسرعة، وأحياناً تظهر قيادات أكثر تشدداً بعد عمليات الاغتيال.
من القاعدة إلى الكارتلات.. النمط يتكرر
الظاهرة لا تقتصر على الشرق الأوسط. فحتى في الحرب على الإرهاب، لم يؤد مقتل أسامة بن لادن إلى اختفاء تنظيم القاعدة بشكل كامل، رغم الضربة الرمزية الهائلة التي تلقاها التنظيم.
كما أظهرت تجارب أميركا اللاتينية أن قتل زعماء الكارتلات الكبرى غالباً ما يؤدي إلى موجات عنف انتقامية، بينما تبقى الشبكات الإجرامية الأساسية قائمة. وفي كثير من الأحيان، يتحول مقتل القائد إلى أداة تعبئة داخلية بدلاً من أن يكون نهاية للتنظيم.
لماذا تستمر الحكومات في استخدام هذه الاستراتيجية؟
على الرغم من محدودية النتائج، تبقى الاغتيالات السياسية جذابة لصناع القرار لأنها تمنحهم «إنجازاً واضحاً وقابلاً للتسويق».
فالضربة الجوية التي تقتل قائداً بارزاً توفر صورة سياسية قوية وسريعة، بينما تحتاج الحلول السياسية والدبلوماسية إلى وقت طويل وصبر وتنازلات معقدة. ولهذا، غالباً ما تبدو الاغتيالات أكثر إغراءً سياسياً، حتى عندما تكون نتائجها الاستراتيجية غير مضمونة.
بين التعطيل والتغيير الحقيقي
تكشف الحرب في إيران درساً مركزياً في الصراعات الحديثة: اغتيال القادة قد يعطل الخصم، لكنه لا يعيد تشكيله تلقائياً. فالدول لا تقوم على الأفراد وحدهم، بل على مؤسسات وشبكات مصالح وأجهزة أمنية وعسكرية واقتصادية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج السلطة.
ولهذا، تتحول المشكلة إلى خطر استراتيجي عندما تتعامل الحكومات مع الاغتيال باعتباره بديلاً عن الحلول السياسية، أو طريقاً مضموناً لتغيير الأنظمة.
اقرا المزيد
اغتيال خامنئي يكشف اختراقًا خطيرًا للأمن الإيراني وأزمة ثقة داخل النظام
اغتيال خامنئي يهزّ طهران وواشنطن تتحفظ: هل ينهار النظام الإيراني أم يتشدد أكثر؟
اعترافات صادمة لـ “تامير هايمان”: ضربات إسرائيل وأمريكا فشلت في المساس بنووي إيران..

