وطن-في وقت يواجه فيه المواطن المصري ضغوطًا اقتصادية متصاعدة وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المعيشة، تفجّرت أزمة جديدة أثارت غضبًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما فوجئ آلاف المواطنين بحذف بطاقاتهم التموينية بسبب ما عُرف إعلاميًا بـ«فخ العداد الكودي».
بدأت القضية عندما شجعت وزارة الكهرباء المصرية سكان العقارات المخالفة على تركيب «عدادات كودية» بهدف تقنين أوضاع استهلاك الكهرباء. وبالنسبة لكثير من المواطنين، بدا الأمر وكأنه فرصة قانونية لتسوية أوضاعهم وتجنب الملاحقات والغرامات، خصوصًا مع الوعود الرسمية بأن الإجراءات المطلوبة «روتينية» ولن تترتب عليها أي تبعات قانونية أو إدارية مستقبلاً.
لكن المفاجأة جاءت لاحقًا، عندما اكتشف نحو 13 ألف مواطن حذفهم من منظومة الدعم التمويني، بعدما اعتبرت وزارة التموين محاضر «سرقة التيار الكهربائي» المحررة أثناء تركيب العدادات الكودية دليلًا على عدم استحقاق الدعم.
وبحسب مصادر حكومية متداولة، فإن وزارة الكهرباء كانت تشترط على الراغبين في تركيب العدادات الكودية تحرير محاضر «سرقة تيار» باعتبارها خطوة إجرائية لتقنين الوضع القانوني للعقار، مع تطمينات للمواطنين بأن هذه المحاضر لن تُستخدم ضدهم مستقبلًا.
غير أن الأزمة انفجرت عندما استندت وزارة التموين إلى هذه المحاضر نفسها في قرارات وقف الدعم التمويني، ما اعتبره كثيرون تناقضًا صارخًا بين مؤسسات الدولة، وتحويلًا لإجراء تقنين رسمي إلى وسيلة لمعاقبة المواطنين بدلًا من مساعدتهم.
وأثارت القضية موجة غضب كبيرة بين المصريين، خاصة أن معظم المتضررين من أصحاب الدخول المحدودة الذين يعتمدون على بطاقات التموين لتأمين جزء أساسي من احتياجاتهم الغذائية في ظل التضخم وارتفاع الأسعار.
ويرى مراقبون أن الأزمة كشفت حالة من التخبط الإداري بين الجهات الحكومية، حيث دفعت وزارة المواطنين إلى السير في مسار قانوني لتقنين الكهرباء، بينما استخدمت جهة أخرى المستندات الناتجة عن هذا المسار نفسه كسبب لحرمانهم من الدعم.
وخلال الأشهر الماضية، نفت وزارتا الكهرباء والتموين وجود أي علاقة مباشرة بين تركيب العدادات الكودية ووقف بطاقات التموين، لكن مع صدور قرارات حكومية تتعلق باستبعاد من تحررت ضدهم محاضر سرقة كهرباء، وجد آلاف المواطنين أنفسهم فجأة مصنفين ضمن غير المستحقين للدعم.
وتحوّلت القضية سريعًا إلى ملف رأي عام، خصوصًا مع تداول شهادات لمواطنين أكدوا أنهم لم يكونوا يعلمون أن المحاضر الإجرائية قد تُستخدم لاحقًا ضدهم، وأنهم وافقوا عليها فقط استجابة لشروط وزارة الكهرباء وتقنين أوضاع مساكنهم.
ويقول منتقدون إن ما حدث يعكس اتساع سياسة التضييق الاقتصادي على الفئات الفقيرة والمتوسطة، في وقت تتزايد فيه الأعباء المرتبطة بالكهرباء والمياه والغاز والخدمات الأساسية الأخرى.
كما يرى البعض أن الأزمة تكشف اعتماد الدولة بشكل متزايد على أدوات رقمية وإدارية لإعادة فرز المستحقين للدعم، لكن بطريقة قد تؤدي أحيانًا إلى معاقبة مواطنين لم يرتكبوا مخالفات فعلية بقدر ما استجابوا لإجراءات رسمية طُلبت منهم.
ومع استمرار الجدل، تتصاعد المطالب بإعادة مراجعة قرارات حذف البطاقات التموينية، ووقف استخدام محاضر العدادات الكودية كدليل على «سرقة التيار»، خاصة أن هذه المحاضر كانت جزءًا من عملية تقنين أشرفت عليها الدولة نفسها.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المصريون، تبدو قضية «العداد الكودي» بالنسبة لكثيرين مثالًا جديدًا على اتساع الفجوة بين القرارات الحكومية والواقع الاجتماعي، حيث يتحول المواطن من شخص يحاول تسوية أوضاعه القانونية إلى متهم يفقد آخر أشكال الدعم الذي يعتمد عليه في حياته اليومية.
اقرأ المزيد
بنسبة هيمنة تتجاوز 80%.. هل تحوّل غياب المنافسة في سوق الإنترنت بمصر إلى ضريبة يدفعها المواطن؟
مقصلة اليمين المتطرف.. لِمَ وضعت أوروبا تونس ومصر في قلب ’سيناريو مناطق مراكز ترحيل دائمة؟
بين هتافات الشوارع وحروب الـ “درونز”.. ماذا وراء استعراض قوات الصاعقة المصرية في المدن؟
الخبز بـ “السعر الحقيقي”: كيف ستتغير حياة ملايين الأسر المصرية بعد قرارات التموين الأخيرة؟

