وطن-قد يبدو التظاهر بعدم رؤية شخص تعرفه في الشارع تصرفاً بسيطاً وعابراً، لكنه في علم النفس قد يحمل دلالات أعمق مما يبدو عليه. فبينما يفسر البعض هذا السلوك على أنه نوع من البرود أو قلة الاحترام، تشير دراسات نفسية إلى أن تجاهل الآخرين عمداً قد يرتبط أحياناً بالخوف من التفاعل الاجتماعي أو بحساسية مفرطة تجاه الرفض.
وقالت مجلة «بسيكولوجي” الفرنسية إن بعض الأشخاص يتجنبون النظر إلى معارفهم أو يبدون وكأنهم لم يتعرفوا إليهم، ليس بدافع التعالي، بل بسبب شعور داخلي بالقلق أو الرغبة في الهروب من موقف اجتماعي قد يسبب لهم توتراً أو إحراجاً.
وبحسب ما أوردته المجلة، فإن دراسة نُشرت عام 2010 في مجلة «العلوم المعرفية والعاطفية الاجتماعية والعصبية» ربطت هذا النوع من السلوك بما يُعرف في علم النفس بـ«الحساسية تجاه الرفض»، وهي حالة تجعل الشخص يتوقع الرفض أو الانتقاد بصورة مبالغ فيها، ما يدفعه أحياناً إلى تجنب اللقاءات الاجتماعية من الأساس.
الخوف من التفاعل المفاجئ
توضح الأبحاث النفسية أن بعض الأشخاص يعانون صعوبة في التعامل مع التفاعلات الاجتماعية غير المتوقعة، حتى وإن كانت بسيطة مثل إلقاء التحية في الشارع. وفي هذه الحالات، يصبح التجاهل وسيلة لتقليل التوتر النفسي وتفادي الدخول في موقف يشعرون بأنه مرهق أو غير مريح.
وأضافت مجلة “بسيكولوجي” أن بعض الأفراد يفسرون أي تواصل اجتماعي مفاجئ على أنه موقف يتطلب جهداً نفسياً أو قد يعرضهم للحكم أو الإحراج، لذلك يفضلون الانسحاب الصامت بدلاً من خوض محادثة قصيرة.
لكن هذا السلوك لا يمر دائماً من دون أثر. فالشخص الذي يتعرض للتجاهل قد يشعر بالإهانة أو الاستبعاد، وربما يفسر الموقف على أنه رفض شخصي مباشر، خصوصاً إذا تكرر الأمر أو صدر من شخص قريب.
النبذ الاجتماعي.. عندما يصبح التجاهل مؤلماً
وكشفت المجلة الفرنسية، استناداً إلى دراسة منشورة عام 2013 عبر منصة «بوب مِد»، أن تجاهل الآخرين عمداً قد يندرج ضمن ما يُعرف في علم النفس بـ«النبذ الاجتماعي»، وهو شكل من أشكال الإقصاء يتمثل في استبعاد شخص من التفاعل الاجتماعي، سواء عبر الصمت أو تجاهل الحديث أو الامتناع عن التواصل البصري.
وتوضح الدراسة أن النبذ الاجتماعي لا يقتصر على الخلافات الكبيرة أو التصرفات العدائية الواضحة، بل قد يظهر في تفاصيل صغيرة تبدو عادية، مثل تجاهل التحية أو التصرف وكأن الشخص الآخر غير موجود.
وبحسب “بسيكولوجي”، فإن هذه التصرفات البسيطة قد تتحول إلى «إشارات إقصاء» تؤثر في شعور الإنسان بقيمته ومكانته داخل محيطه الاجتماعي، وهو ما يجعل تأثيرها النفسي أحياناً أكبر مما يتوقعه كثيرون.
بين حماية النفس واحترام الآخرين
لا يعني ذلك أن الإنسان مطالب بالتفاعل مع الجميع طوال الوقت أو التخلي عن حدوده الشخصية. فمن الطبيعي أن يحتاج بعض الأشخاص إلى العزلة أو تجنب الحديث في أوقات معينة. لكن الفرق يبقى كبيراً بين حماية المساحة الشخصية وبين ممارسة تجاهل جارح قد يترك أثراً سلبياً لدى الطرف الآخر.
وترى مجلة “بسيكولوجي” أن الوعي بهذه التفاصيل اليومية يساعد على بناء علاقات أكثر توازناً وإنسانية. فقبل تجاهل شخص ما عمداً، قد يكون من المفيد أن يسأل الإنسان نفسه: كيف سأشعر لو أن أحدهم فعل الأمر نفسه معي؟
في النهاية، قد يكشف تصرف بسيط مثل تجاهل شخص في الشارع الكثير عن طريقة تعامل الإنسان مع القلق والرفض والعلاقات الاجتماعية. وبين الرغبة في تجنب التوتر والحاجة إلى احترام مشاعر الآخرين، يبقى التعاطف الاجتماعي مفتاحاً أساسياً لفهم أعمق للعلاقات اليومية.
قد يعجبك
هل تقول دائماً “كما تريد”؟.. إليك ما يخبرنا به علم النفس عن شخصيتك!
لماذا تؤلمنا الانتقادات؟.. قراءة نفسية تكشف كيف نستعيد ثقتنا ونفرّق بين الرأي والهجوم..
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي

