وطن-لم تعد الوحدة مجرد شعور عابر أو حالة اجتماعية مرتبطة بنمط الحياة، بل باتت تُطرح اليوم باعتبارها أحد أخطر العوامل المؤثرة في صحة كبار السن، خصوصاً بعد سن الستين. فبينما يحرص الأطباء عادة على قياس ضغط الدم، وفحص الكوليسترول، والسؤال عن التدخين أو النظام الغذائي، نادراً ما يُطرح سؤال بسيط لكنه بالغ الأهمية: هل تشعر بالوحدة؟
وقالت مجلة «بسيكولوجي» الفرنسية إن الشعور بالوحدة أصبح قضية صحية عامة لا تقل أهمية عن عوامل الخطر التقليدية، بعدما ربطت دراسات علمية حديثة بين العزلة الاجتماعية وتراجع القدرات الإدراكية، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والاكتئاب، بل وزيادة خطر الوفاة المبكرة لدى كبار السن.
العزلة الاجتماعية تتحول إلى أزمة صحية
وبحسب ما أوردته المجلة، فإن تقرير «العزلة 2023» الصادر عن مؤسسة فرنسا أظهر أن 17% من الأشخاص في فرنسا يعيشون حالة من العزلة العلائقية، أي ضعفاً واضحاً في عدد العلاقات والاتصالات الاجتماعية. لكن الخبراء يميزون بين العزلة الاجتماعية الموضوعية وبين الشعور الذاتي بالوحدة، وهو الإحساس بوجود فجوة بين العلاقات التي يرغب الإنسان في عيشها وتلك التي يعيشها فعلاً.
وفي الولايات المتحدة، وصف الجراح العام الأمريكي عام 2023 الوحدة بأنها «وباء وطني»، محذراً من تداعياتها الصحية الواسعة. وأضافت المجلة أن خطورة الوحدة لا تتوقف عند الألم النفسي، بل تمتد إلى أعراض جسدية ملموسة دفعت بعض الباحثين إلى مقارنة آثارها الصحية بعوامل معروفة مثل التدخين، مع التأكيد على أن المقارنة توضيحية وليست حرفية.
لماذا تصبح الوحدة أخطر بعد الستين؟
قد تكون الوحدة اختيارية أحياناً، حين يبحث الإنسان عن الهدوء أو الانسحاب المؤقت لاستعادة توازنه النفسي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى عزلة مفروضة، مصحوبة بإحساس مؤلم بالابتعاد عن الآخرين. وبعد سن الستين، تزداد احتمالات الوقوع في هذا النوع من العزلة بسبب أحداث حياتية متكررة، مثل التقاعد، أو الترمل، أو ابتعاد الأبناء، أو ضعف الحركة، أو فقدان القدرة على المشاركة الاجتماعية كما في السابق.
وكشفت مجلة «بسيكولوجي»، استناداً إلى أبحاث الباحثة جوليان هولت لونستاد، المتخصصة في علم النفس وعلوم الأعصاب، أن العزلة الاجتماعية والوحدة المزمنة ترتبطان بزيادة واضحة في خطر الوفاة.
أرقام مقلقة حول آثار الوحدة
تشير نتائج الدراسات إلى أن العزلة الاجتماعية ترفع خطر الوفاة بنسبة 29%، بينما يزيد الشعور الذاتي بالوحدة هذا الخطر بنسبة 26%، في حين يرتبط العيش وحيداً بارتفاع الخطر بنسبة 32%.
ويرى الباحثون أن حجم هذه المخاطر قريب إحصائياً من تأثير عوامل صحية معروفة مثل السمنة، وغالباً ما يُقارَن بالتدخين المعتدل لتوضيح مدى خطورته الصحية.
ومع ذلك، شددت المجلة على أن الأمر لا يعني وجود تطابق مباشر بين الوحدة والتدخين، بل يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه الوحدة المزمنة على الجسم مع مرور الوقت.
الوحدة ومرض ألزهايمر
لا تتوقف آثار الوحدة عند الصحة الجسدية فقط، إذ تشير الأدلة العلمية إلى احتمال وجود علاقة بينها وبين التدهور المعرفي لدى كبار السن. ووفقاً لما ذكرته مجلة «بسيكولوجي»، فقد أظهرت دراسة منشورة في دورية «أرشيف الطب النفسي العام» أن الشعور القوي بالوحدة ارتبط بزيادة تقارب 51% في خطر الإصابة بمرض ألزهايمر خلال فترة المتابعة.
لكن الباحثين يحرصون على التمييز بين الارتباط الإحصائي والسببية المباشرة، إذ لا تعني هذه النتائج أن الوحدة تسبب ألزهايمر بشكل حتمي، لكنها تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون عزلة مزمنة قد يكونون أكثر عرضة لتدهور القدرات الإدراكية.
تأثير مباشر على القلب والأوعية الدموية
وعلى مستوى القلب والأوعية الدموية، أوردت المجلة أن تحليلاً بحثياً واسعاً نُشر في دورية «هارت» أظهر أن الوحدة والعزلة ترتبطان بزيادة خطر الإصابة بأمراض الشرايين التاجية بنسبة 29%، وارتفاع خطر السكتة الدماغية بنسبة 32%.
ويرجح بعض الباحثين أن السبب يعود إلى تأثير الوحدة المزمنة على الالتهابات داخل الجسم واضطراب بعض الاستجابات المناعية، وهي تأثيرات تصبح أكثر خطورة مع التقدم في العمر.
معاناة نفسية صامتة
لا تبدو الوحدة لدى كبار السن مجرد نقص في الزيارات أو المكالمات، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى معاناة نفسية مستمرة. وبحسب مؤشر الوحدة الصادر عن «إيفوب» لصالح جمعية «أستريه»، فإن الأشخاص الذين يعيشون وحدة مزمنة يبلّغون بمعدلات أعلى عن الشعور بالضيق، والإحساس بعدم الجدوى، وأعراض القلق والاكتئاب.
وأضافت المجلة أن الأدبيات العلمية تؤكد أن الوحدة تعد عاملاً يزيد احتمالات الإصابة بالاكتئاب والقلق، خاصة لدى كبار السن الذين يواجهون خسائر شخصية أو مشكلات صحية أو تراجعاً في القدرات البدنية.
لماذا لا تُعامل الوحدة كعامل خطر صحي؟
على الرغم من تراكم الأدلة العلمية، لا تزال الوحدة نادراً ما تدخل ضمن الفحوص الطبية الروتينية. ففي كثير من الأحيان يُنظر إليها باعتبارها مسألة اجتماعية أو شخصية، لا محدداً صحياً قائماً بذاته. لكن المؤسسات الصحية الدولية بدأت تعترف تدريجياً بأن جودة العلاقات الاجتماعية تمثل عاملاً وقائياً مهماً لا يقل تأثيره عن النشاط البدني أو الإقلاع عن التدخين.
كيف يمكن الوقاية من الوحدة؟
تشير الأبحاث إلى أن الوقاية من الوحدة ممكنة، لكنها تحتاج إلى وعي فردي ودعم اجتماعي وسياسات عامة فعالة. فالحفاظ على العلاقات القائمة، والمشاركة في الأنشطة الجماعية، سواء كانت ثقافية أو رياضية أو تطوعية، يمكن أن يخفف من الشعور بالعزلة ويمنح كبار السن إحساساً بالانتماء والجدوى.
كما أن الانخراط في العمل التطوعي أو المبادرات المجتمعية يساعد في بناء روابط جديدة، بينما يمكن للبرامج التي تجمع بين الأجيال المختلفة أن تلعب دوراً مهماً في كسر عزلة كبار السن وإعادة دمجهم في الحياة اليومية.
الوحدة ليست قدراً محتوماً
وتخلص مجلة «بسيكولوجي» إلى أن الوحدة بعد سن الستين ليست قدراً محتوماً، ولا مجرد مسألة شخصية تتعلق بطباع الفرد. إنها عامل خطر صحي قابل للقياس عندما تصبح مزمنة، وقد تؤثر في القلب والدماغ والمناعة والصحة النفسية.
والاعتراف بتأثير الوحدة، من دون تهويل أو وصم، يفتح الباب أمام التعامل معها كجزء أساسي من الوقاية الصحية. فالعلاقات الإنسانية ليست رفاهية اجتماعية، بل عنصر مهم في حماية الصحة وجودة الحياة، خصوصاً في مرحلة عمرية يصبح فيها التواصل والدعم النفسي حاجة لا تقل أهمية عن الدواء والرعاية الطبية.
قد يعجبك
دراسة طبية تكشف السر: لماذا نادراً ما يُصاب القلب بالسرطان؟
لماذا تؤلمنا الانتقادات؟.. قراءة نفسية تكشف كيف نستعيد ثقتنا ونفرّق بين الرأي والهجوم..
دراسة ستانفورد تكشف مفاجأة: الإنسان لا يشيخ تدريجياً.. بل يمر بقفزتين حاسمتين عند 44 و60 عاماً

