وطن-في مفارقة حيّرت علماء الأورام لعقود، يواصل القلب الخفقان أكثر من مئة ألف مرة يومياً، ومع ذلك يبقى من الأعضاء التي نادراً جداً ما يصل إليها السرطان. الآن، تكشف دراسة علمية حديثة منشورة في مجلة العلوم أن السر لا يكمن في تركيبة كيميائية غامضة، بل في عامل أبسط وأكثر إثارة: القوة الميكانيكية الناتجة عن نبضات القلب.
وقالت مجلة “موي إنتريسنتي” الإسبانية، إن أورام القلب الأولية تظهر في أقل من 1% من حالات التشريح، وهي نسبة ضئيلة جعلت القلب يبدو وكأنه يمتلك درعاً خاصاً ضد السرطان. غير أن الدراسة الجديدة، التي أعدها الباحثان جوليو تشوتشي وسيرينا زاكيغنا من المركز الدولي للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في ترييستي بإيطاليا، تقدم للمرة الأولى تفسيراً مباشراً لهذه الظاهرة.
وبحسب ما أوردته المجلة، فإن حماية القلب من السرطان لا تعتمد على مواد كيميائية يفرزها النسيج القلبي، ولا على خصائص حيوية تقليدية، بل على الضغط المنتظم الذي يولده كل انقباض. فكل نبضة لا تضخ الدم فقط، بل ترسل أيضاً إشارة فيزيائية إلى الخلايا تمنعها من الدخول في مسار الانقسام غير المنضبط.
تجربة غريبة كشفت سر القلب
بدأت القصة بتجربة لافتة أجراها فريق البحث على الفئران. فقد زرع العلماء قلباً ثانياً في عنق عدد من الفئران، لكنه لم يكن متصلاً بالدورة الدموية الرئيسية. هذا القلب الإضافي كان ينبض، لكنه لا يضخ الدم فعلياً ولا يتعرض للحمل الميكانيكي الطبيعي الذي يواجهه القلب العامل داخل الجسم.
وكشفت مجلة “موي إنتريسنتي”، أن الباحثين زرعوا خلايا سرطانية من الرئة والقولون والميلانوما في هذه النماذج. وكانت النتيجة واضحة: الخلايا السرطانية تكاثرت بصورة طبيعية في القلب الإضافي الذي ينبض من دون جهد ميكانيكي حقيقي، بينما فشلت في النمو داخل القلب الأصلي الذي يتعرض لضغط منتظم مع كل انقباض.
هذا الفارق، وفق الدراسة المنشورة في مجلة العلوم، لم يكن مرتبطاً بتغيرات كيميائية في البيئة المحيطة بالخلايا، بل بالحمل الميكانيكي نفسه. بمعنى آخر، القلب ليس بيئة معادية للسرطان لأنه يفرز مادة قاتلة للخلايا الورمية، بل لأنه يتحرك بقوة وانتظام لا تستطيع الخلايا تجاهلهما.
بروتين يعمل كـ”مستشعر زلزالي” داخل الخلية
يركز الاكتشاف على بروتين يحمل اسم Nesprin-2، وهو بروتين يوجد قرب غشاء نواة الخلية ويعمل كأنّه مستشعر دقيق للضغط. فعندما يتعرض القلب لقوة الانقباض المتكررة، يلتقط هذا البروتين الإشارة الميكانيكية وينقلها إلى داخل النواة.
وقالت مجلة “موي إنتريسنتي”، إن هذا البروتين لا يرسل إشارة عادية، بل يؤدي إلى إعادة تنظيم الكروماتين، وهو البنية التي يتحزم داخلها الحمض النووي. وتحدد هذه البنية الجينات المفتوحة القابلة للتشغيل والجينات المغلقة غير النشطة. وعندما يستجيب الكروماتين لضغط النبضات، تُغلق الجينات المسؤولة عن انقسام الخلايا قبل أن تبدأ عملها.
بصيغة أبسط، لا تُمنح الخلية السرطانية فرصة إطلاق برنامج النمو والتكاثر، لأن هندسة الجينوم نفسها تتغير قبل وصول أمر الانقسام. وهنا يكمن جوهر الاكتشاف: النبضات لا تقتل الخلايا مباشرة، بل تمنعها من تشغيل مفاتيح النمو.
عندما أوقف العلماء البروتين عاد الورم للنمو
لاختبار ما إذا كان بروتين Nesprin-2 هو الحلقة الحاسمة في هذه العملية، لجأ الباحثون إلى تعطيله وراثياً في نماذج الفئران. وكانت النتيجة حاسمة؛ فبمجرد إيقاف هذا البروتين، بدأت الأورام بالنمو حتى في وجود الحمل الميكانيكي الطبيعي للقلب.
وبحسب ما أوردته مجلة “موي إنتريسنتي”، فإن هذه التجربة أثبتت أن الحماية ليست صفة عامة في نسيج القلب، بل ناتجة عن دائرة محددة تربط بين الضغط الفيزيائي الناتج عن النبضات وبين تغييرات جينية فوقية تمنع تكاثر الخلايا. وعندما تنقطع هذه الدائرة، يفقد القلب ميزته النادرة أمام السرطان، ويصبح أكثر شبهاً ببقية الأنسجة.
ولم يكتف الفريق بالتجارب الحيوانية. فقد استخدم الباحثون أيضاً أنسجة قلبية مهندسة في المختبر، وعرّضوا بعضها لحمل ميكانيكي صناعي بينما تُرك بعضها الآخر من دون هذا التأثير. وكانت النتيجة متطابقة تقريباً: وجود الضغط الميكانيكي حدّ من نمو الخلايا السرطانية، بينما سمح غيابه لها بالتكاثر.
هل يمكن نقل سر القلب إلى علاج السرطان؟
تفتح هذه النتائج باباً مثيراً أمام الطب، إذ تشير إلى احتمال استخدام التحفيز الميكانيكي كوسيلة علاجية مساعدة ضد بعض الأورام. فالفريق البحثي في ترييستي يعمل بالفعل، وفق ما نقلته مجلة “موي إنتريسنتي”، على نماذج أولية لأجهزة قادرة على تطبيق ضغط إيقاعي منتظم على أورام سطحية، في محاولة لمحاكاة تأثير نبض القلب.
وتبدو أورام الجلد والثدي من أبرز المرشحين الأوائل لهذا النوع من التجارب، لأن موقعها السطحي يجعل الوصول إليها أسهل مقارنة بالأورام العميقة. والفكرة الأساسية هي أن الضغط الخارجي المنتظم قد ينشّط بروتين Nesprin-2 في أنسجة أخرى، ويدفع الخلايا إلى إغلاق الجينات المرتبطة بالانقسام، كما يحدث طبيعياً داخل القلب.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه الفرضية ما تزال في مراحلها الأولى. فالقلب يعمل ضمن بيئة فسيولوجية شديدة التنظيم، حيث الإيقاع والضغط والتغذية الدموية مضبوطة بدقة. أما الورم داخل جسم الإنسان، فينشأ وسط بيئة معقدة تضم أوعية دموية غير طبيعية، وخلايا مناعية، وأنسجة ليفية، وإشارات كيميائية متشابكة.
حدود الدراسة وأسئلة لم تُحسم بعد
ورغم أهمية النتائج، شددت مجلة “موي إنتريسنتي”، على أن الدراسة لا تعني أن العلماء توصلوا بالفعل إلى علاج جاهز للسرطان. فالعمل الحالي اعتمد على نماذج فئران ذات طفرات مستحثة وعلى أنسجة قلبية مزروعة في المختبر، وهي بيئات مضبوطة لا تعكس تماماً تعقيد الأورام البشرية الحقيقية.
فورم الثدي أو الميلانوما، على سبيل المثال، لا ينمو في فراغ، بل يتفاعل مع الجهاز المناعي والأوعية الدموية والأنسجة المحيطة والإشارات الخلوية الدقيقة. لذلك، فإن سلوك آلية Nesprin-2 داخل ورم بشري نشط ما يزال بحاجة إلى اختبارات أوسع قبل التفكير في تطبيقات علاجية مؤكدة.
كما تطرح الدراسة سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث عندما يفقد القلب انتظام نبضاته؟ ففي حالات اضطراب النظم المزمن أو اعتلال عضلة القلب التوسعي، هل يضعف تنشيط بروتين Nesprin-2؟ وهل يمكن أن يفسر ذلك الحالات النادرة التي يظهر فيها سرطان القلب؟ حتى الآن، لا تقدم البيانات إجابة نهائية.
اكتشاف يعيد التفكير في علاقة الفيزياء بالسرطان
تكمن قوة هذه الدراسة في أنها تنقل جزءاً من فهم السرطان من الكيمياء الحيوية وحدها إلى الفيزياء الحيوية. فالقوة، والضغط، والحركة، والإيقاع قد تكون عناصر مؤثرة في قرار الخلايا: هل تنقسم أم تصمت؟
وبحسب ما خلصت إليه مجلة “موي إنتريسنتي”، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه الآلية موجودة، فقد أثبتتها التجارب في النماذج المستخدمة، بل ما إذا كان بالإمكان تشغيلها بفاعلية داخل الأورام البشرية. وإذا نجحت الأبحاث المقبلة في ذلك، فقد يكون القلب قد ظل لعقود يخفي داخل نبضاته مبدأ علاجياً جديداً: علاج لا يعتمد على دواء كيميائي، بل على إيقاع ميكانيكي قادر على إسكات السرطان من داخله.
اقرأ المزيد
ثورة في الطب الحيوي: هندسة مادية خارقة من هارفارد تروّض البكتيريا المعدلة وراثياً داخل الجسم
“السم الصامت” والذاكرة: دكتور من هارفارد يكشف عن السر وراء نسيان الأسماء بعد سن الـ 55؟
أعمار مفصلية: لماذا يتغير دماغك بشكل مفاجئ عند سن الـ 9، 32، 66، و83؟

