وطن-في تصعيد جديد يثير مخاوف واسعة بشأن حرية الصحافة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كشفت تقارير صحفية إسرائيلية أن الشرطة الإسرائيلية تدير وحدة خاصة في الضفة الغربية المحتلة، مهمتها مراقبة الصحفيين الأجانب الراغبين في دخول إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية، وسط قيود متزايدة على التغطية الإعلامية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
وقالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في تقرير نشرته الثلاثاء، إن هذه الوحدة الشرطية تعمل بتنسيق وثيق مع سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية، وهي الجهة المنتشرة في المعابر الدولية، إضافة إلى معبر اللنبي الذي يربط الضفة الغربية بالأردن، ويُعد أحد أهم منافذ دخول الصحفيين والدبلوماسيين والوفود الأجنبية إلى الأراضي الفلسطينية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، حصلت “هآرتس” على وثيقة شرطية تتضمن رصداً لمقالات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي نشرها الصحفي الإيطالي المستقل أليساندرو ستيفانيلي، الذي سبق أن دخل إسرائيل والضفة الغربية عدة مرات لتغطية الأحداث الميدانية.
ووصفت الشرطة الإسرائيلية ستيفانيلي بأنه صحفي “ينتقد إسرائيل”، واعتبرته “صحفياً ومصوراً يقدم تغطية أحادية الجانب عن إسرائيل”، في صياغة أثارت انتقادات حقوقية وإعلامية، باعتبارها مؤشراً على استخدام التقييمات السياسية لتقييد عمل الصحفيين الأجانب.
وأضافت صحيفة “هآرتس” أن الصحفي الإيطالي أُبلغ في يوليو من العام الماضي بإلغاء تأشيرته إلى إسرائيل، من دون أن تقدم السفارة الإسرائيلية في روما أي تفسير رسمي لقرار الإلغاء. وعلى الرغم من ذلك، حاول ستيفانيلي دخول الضفة الغربية عبر معبر اللنبي، إلا أن سلطة السكان والهجرة الإسرائيلية منعته من الدخول.
ووفقاً للوثيقة الشرطية التي استندت إليها الصحيفة، اتهم التقرير ستيفانيلي بأنه “يدعو إلى تدخل دولي ضد عنف المستوطنين”، وأنه “يرسم خريطة أحادية الجانب”، كما زعم أنه “على تواصل مع مسلحين”، وذلك بعد أن تقدم الصحفي بالتماس إلى محكمة إسرائيلية للسماح له بدخول إسرائيل والضفة الغربية.
ورداً على هذه الاتهامات، قال ستيفانيلي لصحيفة هآرتس إن ما ورد في التقرير “سخيف إلى أقصى حد”، مضيفاً: “لقد وضعوني في القائمة نفسها مع الإرهابيين”. وتابع: “أجد صعوبة في فهم كيف يمكن لضابط شرطة في دولة ديمقراطية أن يكتب مثل هذه الأمور”.
وأضاف الصحفي الإيطالي، بحسب الصحيفة: “لا يمكن إعداد وثيقة كهذه إلا إذا كنت تعلم أن بعض القضاة سيصدقونها”، في إشارة إلى مخاوفه من تأثير هذه التقارير الأمنية على قرارات القضاء الإسرائيلي المتعلقة بحرية الحركة والعمل الصحفي.
من جانبه، قال المحامي تامير بلانك، وكيل ستيفانيلي، لصحيفة هآرتس إن “من المذهل والمخيب للآمال أن تستثمر الشرطة مواردها في مراقبة المقالات الصحفية وتقييد حرية التعبير”. وأضاف أن هذا النهج “لا يبعد سوى خطوة قصيرة جداً عن شرطة الفكر”.
أما الشرطة الإسرائيلية، فقالت في ردها على الصحيفة إنها تعمل وفقاً للقانون، مشيرة إلى أن القانون “يمنحها صلاحية منع أي شخص أجنبي من دخول دولة إسرائيل إذا كان هو أو المنظمة التي يعمل معها يتحرك ضد دولة إسرائيل”، وفق ما نقلته هآرتس.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من القيود المفروضة على عمل وسائل الإعلام في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما منذ أكتوبر 2023، إذ منعت إسرائيل الصحفيين، سواء كانوا إسرائيليين أو أجانب، من دخول قطاع غزة من دون مرافقة عسكرية إسرائيلية، ما جعل التغطية المستقلة من داخل القطاع شبه مستحيلة.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، أرجأت المحكمة العليا الإسرائيلية الشهر الماضي، للمرة الحادية عشرة منذ أكتوبر 2023، قرارها بشأن ما إذا كان يتعين على السلطات الإسرائيلية السماح بدخول الصحفيين إلى قطاع غزة بحرية، وذلك بعد عدم تقديم الدولة رداً في الموعد المحدد.
وذكر موقع “ذا سفنث آي” الإسرائيلي المتخصص في شؤون الإعلام، أن لجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود انضمتا الشهر الماضي إلى الالتماس الذي تقدمت به منذ فترة طويلة رابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل، للمطالبة بالسماح للصحفيين بالدخول إلى غزة وتغطية الأوضاع على الأرض بشكل مستقل.
وبحسب الموقع الإسرائيلي، دعت المنظمات الصحفية الثلاث المحكمة إلى تمكين الصحفيين من الوصول إلى قطاع غزة، غير أن نوعام سولبرغ، نائب رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية، رفض إصدار قرار يلزم السلطات بذلك، ومنح الدولة تمديداً جديداً لتقديم ردها.
وتواجه الصحافة الأجنبية في إسرائيل ظروفاً متزايدة الصعوبة، في ظل توجه السلطات إلى حظر أو تقييد عمل مؤسسات إعلامية تعتبرها تهديداً للأمن القومي، ومن بينها شبكة الجزيرة، ما أثار انتقادات منظمات حرية الصحافة التي ترى في هذه الإجراءات تضييقاً غير مسبوق على التغطية الإعلامية المستقلة.
وفي قطاع غزة، تقول لجنة حماية الصحفيين إن إسرائيل تنخرط في “أكثر الجهود فتكاً وتعمدًا لقتل الصحفيين وإسكاتهم”، مشيرة إلى أن الصحفيين الفلسطينيين يتعرضون للتهديد والاستهداف المباشر والقتل على يد القوات الإسرائيلية، إضافة إلى الاعتقال التعسفي والتعذيب انتقاماً من عملهم الصحفي.
ووفق بيانات اللجنة، قُتل 263 صحفياً فلسطينياً بنيران إسرائيلية منذ أكتوبر 2023، فيما أُصيب 174 صحفياً، واعتُقل 107 آخرون، وهي أرقام تعكس حجم الخطر الذي يواجهه الصحفيون في غزة والضفة الغربية، وسط استمرار الحرب والقيود على الوصول الإعلامي.
وتظهر هذه الوقائع، كما أوردتها الصحف والمواقع الإسرائيلية، أن ملف حرية الصحافة بات أحد أبرز الملفات المثيرة للجدل في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصاً مع اتساع نطاق الرقابة على الصحفيين الأجانب، ومنع التغطية الحرة من غزة، وتزايد المخاوف من استخدام المبررات الأمنية لتقييد العمل الإعلامي.
اقرأ المزيد
قرصنة في المياه الدولية.. كيف حاصرت البوارج الإسرائيلية “أسطول الصمود العالمي” قرب قبرص؟

