وطن-في كل مرة ترتفع فيها أسعار الإنترنت في مصر، تُطرح التبريرات المعتادة: زيادة أسعار الكهرباء، ارتفاع تكلفة الوقود، وتضخم المصروفات التشغيلية. لكن الأرقام الرسمية الصادرة عن الشركة المصرية للاتصالات تكشف مفارقة صادمة: تكلفة الطاقة داخل الشركة لا تمثل سوى نسبة هامشية جداً من إجمالي الإنفاق.
وبحسب البيانات المالية التي جرى تداولها، فإن بند الوقود والطاقة داخل الشركة المصرية للاتصالات بلغ نحو 1.8 مليار جنيه فقط، وهو ما يمثل حوالي 2.1% من إجمالي المصروفات التشغيلية، وقرابة 1.7% فقط من إجمالي الإيرادات التي تجاوزت 106 مليارات جنيه.
بمعنى أوضح:كل 100 جنيه تنفقها الشركة، يذهب منها نحو جنيهين فقط للطاقة. وهنا يظهر السؤال الذي يشغل ملايين المستخدمين: إذا كانت الطاقة لا تمثل سوى نسبة ضئيلة جداً من التكلفة، فلماذا ترتفع أسعار الإنترنت باستمرار؟
سوق غير تنافسي
جزء كبير من الجدل يعود إلى طبيعة سوق الإنترنت الثابت في مصر، حيث تهيمن شركة “وي” التابعة للمصرية للاتصالات على الحصة الأكبر من السوق، بنسبة تتجاوز 80% من المشتركين.
ويرى مراقبون أن هذه السيطرة تمنح الشركة قدرة واسعة على رفع الأسعار دون وجود منافسة حقيقية تضغط في الاتجاه المعاكس أو توفر بدائل أقل تكلفة للمستخدمين.
وتكشف القوائم المالية أن قطاع الإنترنت المنزلي والاتصالات الشخصية كان القطاع الأكثر ربحية داخل الشركة خلال عام 2025، بعدما قفزت إيراداته بنسبة 45% لتصل إلى أكثر من 52 مليار جنيه، أي ما يقارب نصف إجمالي إيرادات الشركة بالكامل.
في المقابل، نمت إيرادات قطاع الشركات والمؤسسات بنسبة أقل بكثير، وهو ما يعكس اعتماد الشركة بشكل أساسي على المستخدم الفردي كمصدر رئيسي للأرباح.
أرباح ضخمة رغم رفع الأسعار
الأرقام المالية تظهر أيضاً أن الشركة المصرية للاتصالات لا تمر بأزمة مالية تشغيلية بالمعنى التقليدي، بل حققت نمواً كبيراً في الإيرادات وصافي الأرباح.
فخلال عام 2025 فقط، تجاوزت الإيرادات 106 مليارات جنيه، بينما قفز صافي الأرباح بنسبة تفوق 120%، وفق البيانات المتداولة.
وهذا ما دفع كثيرين للتساؤل: إذا كانت الأرباح ترتفع بهذا الشكل، فما الحاجة إلى تحميل المستخدم زيادات جديدة في الأسعار؟
مصادر دخل تتجاوز اشتراكات الإنترنت
اللافت أن الشركة لا تعتمد فقط على اشتراكات الإنترنت المحلية لتحقيق الإيرادات، بل تمتلك مصادر دخل ضخمة ومتنوعة.
فالمصرية للاتصالات تحقق أرباحاً من:
- استثمارات في شركات اتصالات أخرى
- تشغيل الكابلات البحرية الدولية
- رسوم عبور البيانات العالمية
- خدمات البنية التحتية للاتصالات
وتستفيد مصر بشكل كبير من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، باعتبارها ممراً رئيسياً لحركة الإنترنت العالمية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. وهذا يعني أن الشركة لا تعتمد فقط على جيوب المستخدمين المحليين لتحقيق الأرباح.
المديونية… أم سوء إدارة الإنفاق؟
على الرغم من الأرباح الضخمة، تتحدث الشركة عن مديونية تتجاوز 70 مليار جنيه، وتُطرح هذه المديونية أحياناً كمبرر غير مباشر لزيادة الأسعار.
لكن منتقدين يرون أن المشكلة لا ترتبط فقط بالتكلفة أو الديون، بل أيضاً بطريقة إدارة الإنفاق داخل الشركة.
وتشير تقارير وملاحظات متداولة إلى وجود إنفاق ضخم على الحملات الإعلانية والدعاية والتسويق، مقارنة بمستويات الاستثمار في تطوير الشبكات وتحسين جودة الخدمة.
كما يشكو كثير من المستخدمين من بطء الإنترنت والانقطاعات المتكررة، رغم الزيادات المتواصلة في الأسعار.
المواطن يدفع الفاتورة دائماً
القضية لم تعد مرتبطة فقط بسعر الإنترنت، بل تحولت إلى نقاش أوسع حول طبيعة إدارة قطاع الاتصالات في مصر، وحدود المنافسة الحقيقية، وحق المستخدم في الحصول على خدمة جيدة بسعر عادل.
فالواقع، بحسب منتقدين، يشير إلى أن تكلفة الطاقة ليست العامل الحاسم في رفع الأسعار، وأن المستخدم النهائي يظل الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر مهما تعددت المبررات.
وفي ظل استمرار ارتفاع الأسعار، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل تدفع الأسر المصرية ثمن ارتفاع التكاليف فعلاً… أم ثمن غياب المنافسة والرقابة الكافية على سوق الإنترنت؟
اقرأ المزيد
مونوريل مصر: هل هو قفزة نحو الحداثة أم “مغامرة خرسانية” في قلب الصحراء؟
بين الدواء وشحن الكهرباء.. قصص من داخل البيوت المصرية التي تئن تحت وطأة الغلاء
الخبز بـ “السعر الحقيقي”: كيف ستتغير حياة ملايين الأسر المصرية بعد قرارات التموين الأخيرة؟

