وطن-حذّر قاضٍ دولي سابق من أن المحكمة الجنائية الدولية قد تجد نفسها مضطرة لإعادة المدعي العام كريم خان إلى منصبه، مع دفع تعويضات مالية ضخمة قد تتجاوز 1.5 مليون يورو، إذا مضت في إجراءات عزله أو معاقبته تأديبياً على خلفية اتهامات بسوء السلوك.
وبحسب ما كشفه موقع “ميدل إيست آي“، فإن القاضي الدولي السابق عبد القوي كورما، العضو السابق في محكمة العدل الدولية، قدّم رأياً قانونياً إلى الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، أكد فيه أن فرص نجاح كريم خان في الطعن على أي قرار بعزله تبدو “كبيرة جداً” أمام المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية.
تقرير قضائي يُضعف مسار العزل
الرأي القانوني، المؤلف من سبع صفحات، دعا مكتب جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية إلى اعتماد نتائج لجنة قضائية مستقلة كانت قد خلصت إلى أن التحقيق الأممي في مزاعم سوء السلوك ضد خان لم يثبت وقوع أي مخالفة.
وتدور الأزمة حالياً حول ما إذا كانت الإجراءات التأديبية التي اعتمدها مكتب جمعية الدول الأطراف، وهو الجهاز التنفيذي الحاكم للمحكمة، قادرة على الصمود قانونياً في حال لجأ خان إلى الطعن أمام المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية، المختصة بالنزاعات الوظيفية للعاملين في المؤسسات الدولية.
ويرى كورما أن أي استئناف قد يقدمه كريم خان ستكون له “فرصة عالية للنجاح”، محذراً من أن المحكمة قد تُجبر في النهاية على إعادة خان إلى منصبه أو دفع تعويضات ضخمة له بسبب الأضرار المهنية والمعنوية التي لحقت به.
اجتماع حاسم داخل المحكمة
تأتي هذه التطورات قبل اجتماع مرتقب لأعضاء مكتب جمعية الدول الأطراف، البالغ عددهم 21 عضواً، لمناقشة مصير المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
وكانت أغلبية داخل المكتب قد دعمت سابقاً مقترحاً يعتبر أن خان “ربما ارتكب شكلاً من أشكال سوء السلوك”، رغم أن لجنة القضاة المستقلة انتهت إلى أن الأدلة المتوفرة غير كافية لإثبات ذلك وفق معيار الإثبات المعتمد.
ويُنتظر أن يصوّت أعضاء المكتب على ما إذا كانت تصرفات خان ترقى إلى سوء سلوك جسيم. وإذا تم تبني هذا التوصيف، فستُحال القضية إلى جمعية الدول الأطراف الأوسع، التي تضم 125 دولة، حيث يتطلب القرار أغلبية الثلثين قبل الانتقال إلى تصويت منفصل بشأن عزله.
خلاف قانوني حول معيار الإثبات
واحدة من أبرز نقاط الجدل في القضية تتعلق بمعيار الإثبات المطلوب. فقد اعتمدت لجنة القضاة معيار “ما وراء الشك المعقول”، وهو المعيار الأعلى في القضايا الجنائية، والمستخدم عادة داخل المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم انتقاد بعض الدول والمنظمات الحقوقية لهذا المعيار واعتباره مرتفعاً في قضية غير جنائية، فإن كورما دافع عنه، مؤكداً أن المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية سبق أن اعتمدته في قضايا تأديبية مشابهة بسبب خطورة النتائج المترتبة على الموظف المعني.
كما أشار القاضي الدولي السابق إلى أن لجنة القضاة رأت أن المحققين لم يتمكنوا من الوصول إلى نتائج حاسمة، وأن بعض الأدلة اعتمدت على روايات غير مباشرة وشهادات متضاربة، دون اختبار كافٍ للمصداقية أو احتمالات التحيز.
تعويضات قد تتجاوز 1.5 مليون يورو
بحسب الرأي القانوني الذي نشره “ميدل إيست آي”، فإن نجاح كريم خان في الطعن قد يفتح الباب أمام حصوله على تعويضات مالية ضخمة تشمل الأضرار المعنوية، والضرر بالسمعة، والتأخير في الإجراءات، والإخلال بواجب الرعاية المهنية.
وقدّر كورما قيمة التعويضات المحتملة بما يتراوح بين 800 ألف ومليون يورو، مع إمكانية ارتفاعها إلى أكثر من 1.5 مليون يورو إذا اعتبرت المحكمة أن الإجراءات اتسمت بسوء نية أو دوافع سياسية.
واعتبر القاضي السابق أن رفض مكتب جمعية الدول الأطراف الأخذ الكامل بتوصيات اللجنة القضائية قد يُفسَّر كتصرف تعسفي أو متحيز، وهو ما قد يعزز موقف خان أمام القضاء الإداري الدولي.
ضغوط سياسية مرتبطة بملفات غزة
تتزامن قضية كريم خان مع تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب المرتكبة في غزة، خصوصاً التحقيقات التي تطال مسؤولين إسرائيليين.
وكان خان قد صرّح سابقاً، في مقابلة مع “ميدل إيست آي”، بأن ما يحدث يشكل “سابقة خطيرة” قد تسمح بإسقاط أي مسؤول منتخب داخل المؤسسات الدولية تحت ضغط سياسي أو دبلوماسي.
وقال خان إن تقويض الإجراءات القانونية داخل المحكمة قد يفتح الباب مستقبلاً للتخلص من أي مسؤول دولي عبر “ملفات زائفة أو ضغوط سياسية”، محذراً من أن استقلال المحكمة الجنائية الدولية أصبح على المحك.
أزمة تهدد صورة المحكمة
ويرى مراقبون أن القضية لم تعد تتعلق فقط بمصير كريم خان، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة المحكمة الجنائية الدولية على الحفاظ على استقلاليتها ومقاومة التدخلات السياسية.
فبين الانقسام داخل جمعية الدول الأطراف، والتحذيرات القانونية من احتمال انهيار أي قرار تأديبي أمام القضاء الإداري الدولي، تواجه المحكمة واحدة من أكثر أزماتها حساسية منذ تأسيسها، في وقت تتعرض فيه لضغوط غير مسبوقة بسبب ملفات الحروب والصراعات الدولية، وعلى رأسها الحرب في غزة.
اقرأ المزيد
بين انقسام أوروبا وحظر شنغن.. كيف يمهد هجوم المحكمة الجنائية لمحاصرة “سموتريتش وبن غفير”؟

