وطن-تتفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مجدداً مع استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات، وسط تحذيرات فلسطينية من انخفاض حاد ومقلق في عدد الشاحنات التي تصل إلى القطاع، بالتزامن مع تقارير إسرائيلية عن خطة مساعدات جديدة مدعومة أمريكياً تعيد إلى الواجهة نموذج التوزيع العسكري المثير للجدل الذي تسبب العام الماضي في مقتل آلاف الفلسطينيين.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن مسؤولاً فلسطينياً حذر، الثلاثاء، من أن القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول شاحنات الإغاثة إلى غزة أدت إلى تراجع «شديد ومقلق» في حجم المساعدات الإنسانية، في وقت يواجه فيه السكان أوضاعاً معيشية كارثية بعد أشهر من وقف إطلاق النار الهش.
ونقلت الصحيفة عن إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، قوله إن هذه القيود تلحق «أضراراً كارثية بالمدنيين»، موضحاً أن إسرائيل لم تسمح منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي إلا بدخول 48 ألفاً و636 شاحنة مساعدات فقط من أصل 131 ألفاً و400 شاحنة كان يفترض إدخالها بموجب الاتفاق.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن هذه الأرقام تعني أن أكثر من 63% من الإمدادات الإنسانية المتفق عليها مُنعت من دخول قطاع غزة، رغم أن الاتفاق كان ينص على تدفق منتظم للمساعدات لتلبية احتياجات السكان من الغذاء والدواء والوقود ومواد الإيواء.
وازداد الوضع سوءاً خلال شهر مايو، إذ تراجعت نسبة دخول المساعدات من 37% إلى 25% فقط، بعدما سُمح بإدخال 2719 شاحنة من أصل 10 آلاف و800 شاحنة كان من المتوقع دخولها خلال الشهر، وفق بيانات المسؤول الفلسطيني.
وقال الثوابتة، في منشور عبر منصة «إكس»، إن هذا التراجع يمثل «مؤشراً بالغ الخطورة يعكس تصاعد سياسة التضييق المتعمد وترشيد المساعدات الإنسانية»، معتبراً أن ما يجري يثبت أن إسرائيل تستخدم الغذاء والدواء والإغاثة كأدوات ضغط وابتزاز سياسي ضد سكان القطاع.
وأضافت صحيفة “ميدل إيست آي” أن الثوابتة اتهم إسرائيل باتباع سياسة ممنهجة في التعامل مع المساعدات الإنسانية، مؤكداً أن استمرار القيود المفروضة على دخول الإمدادات يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، ويؤدي إلى تعميق معاناة المدنيين في غزة، خصوصاً في ظل النقص الحاد في المواد الأساسية والخدمات الطبية.
ودعا المسؤول الفلسطيني المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، بما يشمل وقف الهجمات، وفتح المعابر، وضمان تدفق المساعدات إلى قطاع غزة دون انقطاع أو عرقلة.
وكان الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية في أكتوبر الماضي، ينص على رفع القيود والسماح بدخول ما يصل إلى 600 شاحنة مساعدات يومياً، تشمل المواد الغذائية والوقود والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والبضائع التجارية. لكن سلطات غزة تقول إن القيود الإسرائيلية أبقت المعدل اليومي عند ما يزيد قليلاً على 200 شاحنة فقط.
وفي سياق متصل، كشفت صحيفة “ميدل إيست آي”، نقلاً عن تقارير في وسائل إعلام إسرائيلية، أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يعارض مطالب أمريكية بالسماح باستخدام أموال مقتطعة من عائدات الضرائب الخاصة بالسلطة الفلسطينية لتمويل توزيع المساعدات في قطاع غزة.
وبحسب ما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن مصادر لم تسمها، فإن سموتريتش، وهو من أبرز وزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، رفض أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، حتى لو كان غير مباشر أو مرتبطاً بتمويل عمليات الإغاثة.
وتتضمن الخطة الأمريكية، وفق الصحيفة الإسرائيلية، إنشاء نظام لتوزيع المساعدات الإنسانية تحت إشراف الجيش الإسرائيلي، في صيغة تشبه مبادرة «مؤسسة غزة الإنسانية» التي أثارت جدلاً واسعاً العام الماضي بسبب ارتباطها بنموذج توزيع عسكري للمساعدات داخل القطاع.
وقالت “ميدل إيست آي” إن هذا النموذج السابق تعرض لانتقادات دولية حادة بعدما قُتل نحو 2000 فلسطيني من طالبي المساعدات، إما بنيران القوات الإسرائيلية أو خلال حوادث التدافع والسحق في مواقع التوزيع التابعة للمؤسسة، ما جعل إعادة طرح آلية مشابهة موضع قلق واسع.
ووفق التقارير، فإن المقترح الجديد يقضي بإنشاء مراكز لتوزيع المساعدات قرب ما يسمى «الخط الأصفر»، وهو خط فصل فرضته القوات الإسرائيلية من طرف واحد داخل قطاع غزة. ومنذ بدء وقف إطلاق النار، توسع هذا الخط تدريجياً، ما أبقى القوات الإسرائيلية مسيطرة على أكثر من 60% من مساحة القطاع، بحسب تصريحات سابقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس.
وأوضحت صحيفة “ميدل إيست آي” أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة كان يفترض أن ينهي الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عامين على غزة، من خلال وقف الهجمات والسماح بدخول المساعدات الإنسانية. غير أن إسرائيل، وفق الصحيفة، واصلت خرق الاتفاق مراراً عبر قصف شبه يومي أسفر عن مقتل مئات الفلسطينيين.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فقد قُتل ما لا يقل عن 880 فلسطينياً منذ بدء وقف إطلاق النار جراء الهجمات الإسرائيلية المتواصلة، فيما ارتفع إجمالي عدد الفلسطينيين الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألفاً و770 شخصاً، بينما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين أو تحت الأنقاض.
وتأتي هذه التطورات بينما يواجه سكان غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل القيود على المساعدات مع استمرار الدمار الواسع ونقص الغذاء والدواء والوقود، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من أن أي آلية جديدة لتوزيع الإغاثة تحت إشراف عسكري قد تزيد المخاطر على المدنيين بدلاً من تخفيف معاناتهم.
اقرأ أيضاً
صراع المليار دولار.. لِمَ ترفض السعودية تحويل تعهداتها لـ “مجلس السلام” التابع لترامب في غزة؟
“عاشت نكبتين وما زالت تقاوم”: فاطمة عبيد.. تسعون عاماً من الذاكرة وفستان زفاف دفنته الحرب في غزة..
بعد 7 أشهر من الهدنة.. إسرائيل توسّع الحرب الصامتة على غزة والجوع يطارد المدنيين..

