وطن-في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تعود العلاقة بين لبنان وسوريا إلى واجهة المشهد السياسي، لكن هذه المرة من بوابة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. فبعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، دخلت بيروت ودمشق مرحلة جديدة من إعادة ترتيب العلاقة بينهما، وسط خليط من الضرورة السياسية والشكوك المتبادلة والملفات العالقة التي لم تُحسم منذ سنوات.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن التوتر المكتوم بين البلدين عاد للظهور بقوة مع تسارع الاتصالات اللبنانية الإسرائيلية، في وقت لا تزال فيه المحادثات السورية الإسرائيلية تراوح مكانها، وسط قناعة متزايدة داخل دمشق بأن إسرائيل لا تُبدي استعدادًا حقيقيًا لتقديم تنازلات جوهرية.
رسائل سورية هادئة.. لكن واضحة
ونقل التقرير عن مسؤول لبناني رفيع مطلع على لقاءات جرت بين الجانبين، أن الرئيس السوري أحمد الشرع عبّر خلال لقاء جمعه برئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في دمشق عن ضرورة التنسيق الوثيق بين البلدين في القضايا المصيرية، معتبرًا أن التعاون لم يعد «ترفًا سياسيًا» بل حاجة استراتيجية للطرفين.
وعلى الرغم من النبرة الدبلوماسية الهادئة، حملت الرسالة السورية إشارات واضحة إلى خشية دمشق من أن يؤدي أي تقدم لبناني منفرد في المفاوضات مع إسرائيل إلى إضعاف الموقف السوري في أي مسار تفاوضي مستقبلي.
التفاوض تحت القصف
وتزداد حساسية الملف بسبب طبيعة الظروف التي تجري فيها المحادثات اللبنانية الإسرائيلية. فبيروت كانت قد أعلنت سابقًا أنها لن تدخل أي مفاوضات قبل تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل، لكن الاتصالات استمرت رغم استمرار الغارات والتوترات الأمنية على الحدود الجنوبية.
وترى دمشق أن أي تفاوض يجري في ظل استمرار الضغط العسكري قد يؤدي إلى تقديم تنازلات مبكرة أو فرض ترتيبات أمنية قد تتحول لاحقًا إلى مرجعية تُستخدم ضد سوريا نفسها.
ملفات ثقيلة بين البلدين
ولا تتوقف التعقيدات عند ملف إسرائيل فقط، إذ لا تزال العلاقة اللبنانية السورية محمّلة بإرث طويل من الملفات الحساسة، من بينها ترسيم الحدود البرية والبحرية، وملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، وعودة اللاجئين، والعلاقة مع حزب الله، إضافة إلى وجود شخصيات مرتبطة بالنظام السوري السابق داخل لبنان.
كما تنظر دمشق بقلق إلى ما تعتبره نمطًا متكررًا من اتخاذ بيروت قرارات استراتيجية دون تنسيق كافٍ مع محيطها الإقليمي، خصوصًا في الملفات التي تمس الأمن الإقليمي والتوازنات السياسية في المنطقة.
لبنان بين الضغوط والارتياب
وفي المقابل، يخشى لبنان بدوره من أي عودة إلى نمط النفوذ السوري القديم الذي طبع العلاقة بين البلدين لعقود، وهو ما يجعل أي دعوة سورية إلى «التنسيق» تُقابل بحذر داخل الأوساط السياسية اللبنانية.
ويرى مراقبون أن المعضلة الحقيقية تكمن في أن كلا البلدين لا يستطيع تجاهل الآخر، رغم انعدام الثقة الكامل بينهما. فلبنان يحتاج إلى سوريا في ملفات الحدود واللاجئين والأمن ومكافحة التهريب، بينما تحتاج دمشق إلى تعاون بيروت لمنع استخدام الأراضي اللبنانية في أي نشاطات معادية قد تهدد استقرار سوريا الداخلي.
علاقة الضرورة لا الثقة
ويشير التقرير إلى أن دمشق لا تسعى حاليًا إلى مواجهة مفتوحة مع لبنان، بل إلى منع تحوّل الخطوات اللبنانية إلى سوابق سياسية قد تُستخدم لاحقًا للضغط عليها في أي مفاوضات مع إسرائيل أو القوى الدولية.
وفي الوقت نفسه، تبدو بيروت عالقة بين ضغوط دولية تدفع نحو تسريع المفاوضات مع إسرائيل، وبين حسابات إقليمية معقدة تجعل أي خطوة منفردة محفوفة بالمخاطر السياسية والأمنية.
وتكشف التطورات الأخيرة أن العلاقة اللبنانية السورية بعد الأسد لم تتحول بعد إلى شراكة مستقرة أو مؤسساتية، بل لا تزال محكومة بمنطق الحذر وردود الفعل والشكوك التاريخية المتبادلة.
ففي منطقة تتغير توازناتها بسرعة، يبدو أن غياب التنسيق بين بيروت ودمشق قد يصبح أكثر خطورة من الخلاف نفسه، خصوصًا مع تشابك ملفات الأمن والحدود والتفاوض والاصطفافات الإقليمية في مرحلة قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل.
اقرأ المزيد
تحقيق نيويورك تايمز يكشف مخطط جيش الظل في سوريا وتمويل رامي مخلوف وتحركات سهيل الحسن
تحقيق واشنطن بوست يكشف دعم إسرائيل السري لميليشيا درزية في سوريا بعد سقوط الأسد لمنع توحيد البلاد

