وطن-قد تبدو عبارة «كما تريد» بسيطة ومهذبة، وقد تُفهم على أنها تعبير عن اللطف أو المرونة أو إرضاء الطرف الآخر. لكن علم النفس ينظر أحيانًا إلى هذا الرد المتكرر من زاوية أعمق؛ إذ قد يخفي وراءه نمطًا نفسيًا اجتماعيًا مرتبطًا بالخوف من الخلاف، وضعف تقدير الذات، والحاجة المستمرة إلى القبول من الآخرين.
وقالت مجلة “بسيكولوجي” الفرنسية إن كثيرين يستخدمون عبارات مثل: «لا يهم»، «أنت تقرر»، «كما تشاء»، في المواقف اليومية. ورغم أن هذه الردود تبدو محايدة وودودة، فإن تكرارها قد لا يعكس عدم الاهتمام، بل طريقة دفاع نفسي لتجنب التوتر أو الرفض أو الصدام.
وبحسب ما أوردته المجلة، فإن السؤال الأهم ليس لماذا يتنازل الشخص في موقف بسيط، بل لماذا يجد صعوبة في التعبير عن الرغبات الشخصية أو التفضيلات أو حتى الاعتراض، وكأن إبداء الرأي يمثل تهديدًا للعلاقة.
«النمط الاجتماعي المرتبط بالآخرين».. عندما تصبح العلاقات أهم من الذات
أوضحت مجلة “بسيكولوجي” أن المصطلح النفسي الذي يفسر هذا السلوك يُعرف باسم النمط الاجتماعي المرتبط بالآخرين، وهو مفهوم قدّمه عالم النفس الأمريكي آرون بيك، أحد مؤسسي العلاج المعرفي السلوكي.
ويشير هذا المفهوم إلى نمط نفسي يضع فيه الفرد العلاقات الاجتماعية فوق احتياجاته الشخصية، حتى لو كان ذلك على حساب رغباته الخاصة. في هذه الحالة، تصبح عبارة «كما تريد» وسيلة حماية عاطفية وليست مجرد مجاملة. فالشخص لا يعبّر عن رأيه ليس لأنه لا يملكه، بل لأنه يخشى أن يؤدي ذلك إلى إحباط الآخرين أو فقدان رضاهم عنه.
وأضافت المجلة أن دراسة علمية منشورة على منصة «باب ميد» عام 2025 تشير إلى أن هذا النمط يرتبط غالبًا بـ ضعف تقدير الذات، حيث يعتمد الشخص في قيمته النفسية على قبول الآخرين له.
ثمن الصمت في العلاقات الإنسانية
تشير مجلة “بسيكولوجي” إلى أن هذا السلوك قد يبدو مريحًا في البداية، لكنه يحمل كلفة نفسية على المدى الطويل. فمع الوقت، يؤدي تكرار الصمت وإخفاء الرغبات إلى فقدان الصدق داخل العلاقات الإنسانية، لأن الفرد لا يعبر عن ذاته الحقيقية.
كما قد يرتبط هذا النمط بارتفاع مستوى القلق المزاجي، وهي حالة نفسية تجعل الشخص أكثر عرضة للتوتر وصعوبة التحكم في المشاعر.
المفارقة أن الشخص الذي يسعى للحفاظ على العلاقة عبر التنازل الدائم قد ينتهي إلى علاقات غير متوازنة، يكون فيها حاضرًا شكليًا لكنه غائب عن التعبير الحقيقي عن ذاته.
متى تصبح المجاملة مشكلة نفسية؟
لا تعني عبارة «كما تريد» في حد ذاتها وجود مشكلة نفسية. فالجميع يستخدمها أحيانًا بدافع الأدب أو عندما يكون القرار غير مهم. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح ردًا تلقائيًا في معظم المواقف.
وقالت مجلة “بسيكولوجي” إن الفارق الأساسي يكمن في الشعور الداخلي: فإذا كان التعبير عن الرأي يسبب قلقًا أو خوفًا من ردود فعل الآخرين، فقد يكون ذلك مؤشرًا على نمط نفسي أعمق.
وبحسب مراجعات علمية، فإن الأشخاص ذوي هذا النمط قد يعانون من القلق والاكتئاب والشعور بالعجز، رغم أنهم يظهرون اجتماعيًا بشكل طبيعي.
الاعتراف بالرغبات لا يهدد العلاقات
تؤكد مجلة “بسيكولوجي” أن الهدف من فهم هذا النمط ليس التصنيف أو الحكم، بل زيادة الوعي الذاتي. فعندما يدرك الشخص أنه يتنازل بدافع الخوف لا الاختيار، يمكنه البدء في تغيير هذا السلوك تدريجيًا.
وقد يساعد الدعم النفسي أو العلاج المتخصص على بناء علاقة أكثر توازنًا مع الذات، بحيث يتعلم الفرد أن التعبير عن الرأي لا يعني فقدان القبول أو الحب. فالروابط الإنسانية القوية لا تقوم على الموافقة المستمرة، بل على الصراحة الآمنة والتواصل الحقيقي.
اقرأ المزيد
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي
لماذا تؤلمنا الانتقادات؟.. قراءة نفسية تكشف كيف نستعيد ثقتنا ونفرّق بين الرأي والهجوم..

