وطن-حتى وقت قريب، كانت الهند تبدو واحدة من أكثر القوى الاقتصادية الصاعدة ثباتًا في العالم، مدفوعة بنمو قوي وطموحات جيوسياسية متزايدة. لكن الحرب المرتبطة بإيران قلبت الحسابات سريعًا، ووضعت الاقتصاد الهندي أمام تحديات ثقيلة تهدد بإبطاء صعود نيودلهي نحو موقع القوة العظمى.
وبحسب تحليلات صادرة عن مؤسسات دولية ومراكز أبحاث اقتصادية، من بينها صندوق النقد الدولي ومركز أبحاث الاقتصاد والأعمال، كانت التوقعات تشير إلى استمرار النمو الهندي بوتيرة مرتفعة بعد تسجيل الاقتصاد نمواً بلغ 7% خلال عام 2024.
غير أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وما تبعه من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة، كشف هشاشة جانب مهم من النموذج الاقتصادي الهندي، خاصة اعتماد البلاد الكبير على واردات النفط والغاز الطبيعي من الخارج.
وقالت صحيفة «ذا إيكونوميك تايمز» إن الهند تُعد من أكبر المتضررين آسيوياً من تداعيات الحرب في إيران، نظراً إلى كونها واحدة من أكبر مستوردي النفط الخام في العالم، وهو ما جعلها شديدة التأثر بارتفاع أسعار الطاقة وعدم استقرار الإمدادات.
تراجع النمو وضغوط على الروبية
وفقاً لما أوردته مؤسسات مالية دولية مثل «موديز» و«غولدمان ساكس»، جرى خفض توقعات نمو الاقتصاد الهندي إلى نطاق يتراوح بين 5.9% و6% فقط، بعدما كانت التقديرات السابقة تقترب من 7.4%.
وتبدو هذه الأرقام بعيدة عن الطموحات التي تحدث عنها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي كان يأمل في تحقيق معدل نمو يصل إلى 8%.
وفي الوقت نفسه، تعرضت الروبية الهندية لضغوط قوية أمام الدولار الأميركي، لتتراجع إلى مستويات تراوحت بين 94 و95 روبية مقابل الدولار، وهو ما رفع تكلفة الواردات بشكل واسع، خاصة الطاقة والمواد الخام والسلع الصناعية.
ولا يقتصر تأثير تراجع العملة على الأسواق المالية فقط، بل ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والإنتاج والنقل داخل الهند، ما يهدد بزيادة التضخم وإضعاف القدرة الشرائية.
أزمة الغاز تهدد قطاعات حيوية
وتفاقمت الأزمة مع اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر والإمارات، ما دفع بعض المصانع البتروكيماوية ومنشآت إنتاج الأسمدة إلى الإغلاق المؤقت.
ويثير هذا التطور قلقاً خاصاً في الهند، لأن قطاع الأسمدة يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي في بلد يضم واحدة من أكبر الكثافات السكانية في العالم.
وفي هذا السياق، حذرت الخبيرة الاقتصادية غيتا غوبيناث من أن العالم قد يواجه «أكبر صدمة نفطية منذ سبعينيات القرن الماضي» إذا استمر النزاع في الخليج لفترة طويلة.
وترى تقارير اقتصادية أن الاقتصادات الناشئة، وفي مقدمتها الهند، ستكون الأكثر عرضة للخطر بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة وتقلبات الأسواق العالمية.
ميناء تشابهار.. المشروع الهندي المهدد
ولا تتوقف تداعيات الحرب في إيران عند الاقتصاد والطاقة فقط، بل تمتد إلى أحد أهم المشاريع الجيوسياسية للهند في آسيا، وهو ميناء تشابهار الإيراني.
فالميناء كان يمثل بالنسبة إلى نيودلهي بوابة استراتيجية للوصول إلى آسيا الوسطى وأوروبا بعيداً عن الأراضي الباكستانية، ضمن مشروع يهدف إلى تعزيز النفوذ الهندي ومنافسة مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
وبحسب تقارير اقتصادية وسياسية، استثمرت الهند مئات الملايين من الدولارات في تطوير ميناء تشابهار وربطه بممرات تجارية إقليمية جديدة.
لكن تحول إيران إلى ساحة صراع عسكري، إلى جانب احتمال تشديد العقوبات الغربية، وضع المشروع في حالة غموض وجمود، ما يهدد بخسائر استراتيجية للهند تتجاوز الجانب التجاري.
وأكدت تقارير أن تعطّل مشروع تشابهار لا يعني فقط تأخير حركة التجارة، بل يضرب إحدى الركائز الأساسية التي بنت عليها الهند رؤيتها لتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في آسيا الوسطى.
هل يتوقف صعود الهند؟
وعلى الرغم من هذه الضغوط، لا يعني ذلك أن حلم الهند بالتحول إلى قوة عظمى قد انتهى. فالهند لا تزال تمتلك سوقاً ضخمة، وقاعدة صناعية وتكنولوجية متنامية، وطبقة وسطى واسعة، إضافة إلى ثقل ديموغرافي يمنحها مزايا طويلة الأجل.
لكن الأزمة الحالية أظهرت أن صعود الهند لا يعتمد فقط على معدلات النمو أو الإصلاحات الداخلية، بل يرتبط أيضاً بقدرتها على حماية اقتصادها ومشاريعها الاستراتيجية من الاضطرابات الجيوسياسية العالمية.
وختاماً، تبدو نيودلهي أمام مرحلة مراجعة حقيقية، بعدما وضعت الحرب في إيران الاقتصاد الهندي أمام اختبار صعب، بين صدمة أسعار النفط، وتراجع الروبية، وتعطل إمدادات الطاقة، وتهديد مشروع ميناء تشابهار الاستراتيجي.
اقرأ أيضاً
بين صراع العمالقة والغموض التكتيكي.. كيف تعيد قمة ترامب وشي رسم طموحات الهند لعام 2050؟
مودي يعلن “تقشف الطاقة” في الهند: وقف شراء الذهب وخفض استهلاك البنزين لمواجهة أزمة هرمز

