وطن-وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عاد ملف الأموال الإيرانية المجمدة إلى صدارة المفاوضات غير المعلنة بين واشنطن وطهران، بوصفه مفتاحاً محتملاً لاختراق دبلوماسي قد يقود إلى وقف طويل لإطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وخفض قدرات إيران النووية.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ظل، خلال الأسابيع الماضية، يؤكد أن السماح لإيران بالوصول إلى أموالها المجمدة يجب أن يكون إجراءً لبناء الثقة، إن لم يكن شرطاً مسبقاً، لأي محادثات مع الولايات المتحدة.
وبحسب الموقع البريطاني، يبدو أن هذا الملف بات مطروحاً بقوة في أحدث جولة من التحركات الدبلوماسية، والتي توصف بأنها الأكثر جدية حتى الآن، في محاولة للوصول إلى تسوية طويلة الأمد تنهي الحرب، وتعيد الاستقرار إلى الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، مع تقليص البرنامج النووي الإيراني.
أموال إيران المجمدة تعود إلى طاولة التفاوض
وكشفت تقارير أوردها “ميدل إيست آي” أن الولايات المتحدة قد توافق على الإفراج عن ما يصل إلى 25% من إجمالي الأموال الإيرانية المجمدة حول العالم، إذا قبلت طهران بتسليم 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب وإغلاق منشآتها النووية.
لكن الموقع أشار إلى أن هذين الشرطين قد يكونان غير قابلين للتنفيذ سياسياً بالنسبة لإيران، ما دفع طهران، وفقاً للتقارير، إلى طلب الوصول إلى مبلغ أقل، يقدر بنحو 12 مليار دولار من أموالها المجمدة.
أما المؤكد حتى الآن، بحسب ما أورده “ميدل إيست آي”، فهو أن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ومحافظ البنك المركزي الإيراني توجها، الاثنين، إلى قطر لبحث الإفراج عن نحو 6 مليارات دولار محتجزة في الدوحة منذ سبتمبر 2023، في خطوة قد تمثل مؤشراً على اختراق محتمل في مسار المفاوضات.
وكان البيت الأبيض قد نفى قبل شهر فقط إمكانية حدوث أي تحرك من هذا النوع. غير أن المعطيات تبدلت، وفقاً للموقع، مع سعي ترامب إلى إنهاء الحرب المشتركة مع إسرائيل، في ظل ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وتراجع التأييد الشعبي، إلى جانب ضغوط متزايدة من شركاء واشنطن في الخليج.
طهران تحت ضغط مالي شديد
تعيش إيران أزمة سيولة خانقة، وتقول إنها تستحق الوصول إلى ما يصل إلى 120 مليار دولار من عائداتها الخاصة، التي جرى حجبها من قبل حكومات ومؤسسات مصرفية أجنبية نتيجة العقوبات الأميركية المتراكمة منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
وأوضح “ميدل إيست آي” أن قانون العقوبات على إيران الصادر عام 1996 وسّع القيود لتشمل الجهات التي تتعامل تجارياً مع طهران، كما منع إيران من امتلاك سلاح نووي. ومنذ عام 2005، فرضت الولايات المتحدة حزمة واسعة من العقوبات على أفراد وشركات اتهمتهم بصلات بأنشطة إرهابية.
ولا تقتصر العقوبات الأميركية على منع المواطنين الأميركيين أو المقيمين في الولايات المتحدة من التعامل مع إيران، بل تمتد أيضاً إلى حرمان طهران من الوصول إلى النظام المصرفي العالمي الذي تهيمن عليه واشنطن، والذي يعتمد إلى حد كبير على الدولار وآليات التحويل الأميركية، بما في ذلك نظام سويفت.
انفراجة سابقة مع الاتفاق النووي
لم تحصل إيران على انفراجة ملموسة إلا مع توقيع الاتفاق النووي التاريخي عام 2015 في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما. وقال موقع “ميدل إيست آي” إن طهران تمكنت حينها من استعادة نحو 50 مليار دولار من أموالها المجمدة، بعد رفع بعض الحواجز القانونية الأميركية.
كما حصلت إيران في العام التالي على 1.7 مليار دولار نتيجة تسوية نزاع قانوني كانت قد رفعته أمام محكمة العدل الدولية، بشأن أموال كانت واشنطن مدينة بها للحكومة الإيرانية قبل الثورة الإسلامية.
لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً. ففي عام 2018، انسحبت إدارة ترامب الأولى من الاتفاق النووي من جانب واحد، وفرضت عقوبات على الحرس الثوري الإيراني بأكمله، وليس فقط على قياداته العسكرية، كما أعادت فرض جميع العقوبات التي شملت التجميد الفوري للأصول الإيرانية في المؤسسات المصرفية الدولية.
وبحسب “ميدل إيست آي”، كانت معظم تلك الأصول موجودة في الصين والهند، إضافة إلى مبالغ في تركيا والولايات المتحدة. كما ظل مبلغ قدره 6 مليارات دولار محتجزاً في كوريا الجنوبية، وهو ناتج عن مبيعات نفط إيرانية.
من كوريا الجنوبية إلى قطر
في عام 2023، وضمن صفقة تبادل سجناء رعتها إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أفرجت واشنطن عن خمسة إيرانيين مقابل إطلاق طهران سراح خمسة أميركيين. وتضمنت الصفقة السماح لإيران بالوصول إلى مبلغ الـ6 مليارات دولار المحتجز في كوريا الجنوبية، والذي نُقل لاحقاً إلى قطر في أواخر سبتمبر 2023.
لكن بعد نحو أسبوعين فقط، وعقب هجمات حركة حماس على جنوب إسرائيل، علّقت قطر الوصول إلى تلك الأموال، بسبب الغموض بشأن كيفية استخدام إيران لها، خصوصاً أن حلفاءها، وفي مقدمتهم حماس وحزب الله، كانوا في حالة حرب مع إسرائيل.
والآن، بحسب ما أفاد به “ميدل إيست آي”، عاد هذا المبلغ إلى دائرة التفاوض مجدداً، وقد يشكل جزءاً من تفاهم محتمل بين طهران وإدارة ترامب الثانية.
قلق خليجي وضغوط على واشنطن
نقل الموقع عن أليكس فاتانكا، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط، قوله خلال ندوة عقدت الاثنين، إن هذه الأموال تعد عملياً «أموالاً قطرية» في السياق السياسي الراهن، مضيفاً أن الدوحة تتحرك الآن لأنها تقول لإيران: «عليكم خوض المسار الدبلوماسي، وإذا لم يلتزم الأميركيون، فستحصلون على المال».
وأضاف فاتانكا، وفقاً لـ”ميدل إيست آي”، أن هذا يعكس مستوى القلق داخل منطقة الخليج في الوقت الحالي، حيث تخشى دول المنطقة من استمرار الحرب واتساع نطاقها، بما يهدد أمن الطاقة والتجارة العالمية.
في المقابل، شكك كيفن دونيغان، نائب الأدميرال المتقاعد في البحرية الأميركية، في أن تُستخدم هذه الأموال لأغراض إنسانية أو لإعادة الإعمار بعد الحرب. وقال خلال الندوة ذاتها: «لست ساذجاً؛ أول أموال ستأتي من تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة ستذهب إلى الحرس الثوري الإيراني».
هل تذهب الأموال إلى الاقتصاد أم الحرس الثوري؟
رغم هذه المخاوف، أشار “ميدل إيست آي” إلى وجود أسباب تدفع للاعتقاد بأن جزءاً مهماً من الأموال قد يذهب إلى معالجة الوضع الاقتصادي الداخلي في إيران، في ظل الضغوط الشديدة التي تواجهها البلاد.
ومن المرجح، بحسب الموقع، أن تكون إحدى أولويات الحكومة الإيرانية هي تثبيت البنية المالية والمصرفية، خصوصاً بعد أن ساهم انهيار بنك محلي، بدعم من الضغوط الأميركية أواخر العام الماضي، في إشعال اضطرابات واسعة داخل البلاد.
كما قد تسعى طهران إلى البناء على المكاسب المعنوية التي حققتها في الرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً بين فئات من الشباب في الغرب، خلال حرب استمرت 40 يوماً تؤكد إيران أنها لم تكن الطرف الذي بدأها.
وفي مارس الماضي، وبعد نحو أسبوعين من بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي، طالبت طهران بتعويضات عن الدمار البنيوي والاقتصادي ضمن أي اتفاق ينهي الأعمال القتالية. وقال “ميدل إيست آي” إن إيران كررت هذا المطلب في مقترح السلام الذي أرسلته إلى البيت الأبيض الأسبوع الماضي، والذي تستند إليه المناقشات الجارية حالياً.
وبينما لا تزال شروط الاتفاق النهائي غير واضحة، يبدو أن مبلغ 6 مليارات دولار المحتجز في قطر قد يتحول من ملف مالي مؤجل إلى ورقة سياسية حاسمة، قد تحدد ما إذا كانت واشنطن وطهران قادرتين على الانتقال من التصعيد العسكري إلى تسوية طويلة الأمد.
قد يعجبك
مضيق هرمز مقابل العقوبات.. كواليس مقترح الـ 14 بنداً لإنهاء الحصار البحري عن إيران
لعبة الـ 30 يوماً.. كيف يناور ترامب لانتزاع 900 رطل من اليورانيوم الإيراني دون حرب؟

