وطن-كشفت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن خزائن ما يسمى بـ«مجلس السلام» الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإدارة ترتيبات ما بعد الحرب في غزة لا تزال فارغة، وأن الكيان الذي رُوّج له باعتباره إطاراً دولياً واسع التأثير عالق حالياً في حالة من الغموض القانوني والسياسي.
ويأتي تقرير الصحيفة بعد كشف سابق لموقع “ميدل إيست آي“، أفاد بأن مسؤولاً رفيعاً في إدارة ترامب سافر إلى السعودية في أبريل الماضي في محاولة لم تنجح للحصول على تمويل من الرياض، وتحديداً لدفع تعهد سعودي سابق بتقديم مليار دولار لصالح المجلس.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فقد التقى آريه لايتستون، أحد أبرز المسؤولين الأميركيين المكلفين بملف التخطيط الأميركي لمرحلة ما بعد الحرب في غزة، وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، لبحث التعهد المالي الذي سبق أن قدمته المملكة. ونقل الموقع عن مسؤول عربي وآخر أميركي أن اللقاء خُصص لمناقشة مساهمة الرياض المنتظرة في تمويل «مجلس السلام».
وكان ترامب قد أعلن إنشاء هذا المجلس بعد أن توسطت الولايات المتحدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أكتوبر 2025، أنهى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. ووفق ما أوردته تقارير دولية وحقوقية، فقد وُصفت الحرب على غزة من جانب الأمم المتحدة وخبراء حقوق الإنسان وقادة دوليين بأنها إبادة جماعية، في وقت تجاوز فيه عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في القطاع 72 ألفاً و800 شخص.
وقالت “فايننشال تايمز” إن ترامب سعى في وقت سابق إلى انتزاع تعهدات مالية بمليارات الدولارات من دول خليجية، مقدماً «مجلس السلام» باعتباره أحد «أكثر الكيانات أهمية» في تاريخ العالم. غير أن الصحيفة أوضحت أنه بعد مرور أربعة أشهر على تأسيس المجلس، فإن الصندوق المالي الذي أُنشئ له عبر البنك الدولي لم يتلقَّ أي أموال حتى الآن.
وأضافت الصحيفة أن المجلس حصل بدلاً من ذلك على تبرعات مباشرة عبر حساب مصرفي في بنك «جي بي مورغان». ووفق هذا المسار، لا يكون المجلس ملزماً بالإفصاح عن مصادر تمويله للمانحين أو للدول الأعضاء الخمس والعشرين المشاركة فيه، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الجهات التي تمول عملياته والجهات الأميركية والدولية العاملة معه.
وبحسب “فايننشال تايمز”، فإن وجود حساب منفصل لا تُكشف هوية المتبرعين من خلاله من المرجح أن يثير جدلاً سياسياً وقانونياً، خصوصاً في ظل الدور الذي يلعبه مسؤولون أميركيون ومستشارون دوليون في صياغة خطط مستقبل قطاع غزة، بما في ذلك ملفات إعادة الإعمار، والإدارة المدنية، والترتيبات الأمنية.
وكانت “ميدل إيست آي” قد أشار إلى أن لايتستون وعدداً من المستشارين الأميركيين كانوا، حتى أواخر العام الماضي، يقيمون في فندقين فاخرين على شاطئ تل أبيب، هما «كمبينسكي» و«هيلتون»، بينما كانوا يعملون على إعداد تصورات وخطط متعلقة بمستقبل غزة بعد الحرب.
وكشفت تقارير مرتبطة بالملف أن المستشارين الأميركيين أعدوا أيضاً خططاً لتحويل غزة إلى مركز تكنولوجي للذكاء الاصطناعي ومدينة كبرى حديثة. غير أن هذه الأفكار قوبلت بانتقادات حادة من معارضين رأوا فيها محاولة لإعادة هندسة القطاع ديموغرافياً، بل واعتبروها غطاءً لتهجير الفلسطينيين أو فرض ترتيبات تمس وجودهم على أرضهم.
وفي مقابلة مع “نيويورك تايمز” في نوفمبر الماضي، أكد لايتستون أن إحدى الخطط المطروحة كانت تقضي ببناء مساكن لآلاف الفلسطينيين ممن سيخضعون لعملية «تدقيق» أو «فرز»، ليعيشوا خلف ما يسمى «الخط الأصفر» في غزة، وهي منطقة لا تزال خاضعة لسيطرة القوات الإسرائيلية.
وعلى الرغم من شح التمويل، قالت “فايننشال تايمز” إن «مجلس السلام» تلقى بعض المساهمات المحدودة لتغطية رواتب العاملين. فقد قدمت المغرب 3 ملايين دولار، بينما ساهمت الإمارات بـ20 مليون دولار لإنشاء مكتب نيكولاي ملادينوف، إلى جانب دعم عمل تكنوقراط فلسطينيين يعملون تحت إشرافه.
ويتصدر ترامب هيكل المجلس بصفته رئيساً له، غير أن نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق والشخصية البارزة في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في الإمارات، يشغل منصب «الممثل السامي» لملف غزة ما بعد الحرب.
كما أوردت “فايننشال تايمز” أن تمويلاً إماراتياً بقيمة 100 مليون دولار، كان مخصصاً لتدريب قوة شرطة فلسطينية، لا يزال «مجمداً» حتى الآن، في مؤشر إضافي على تعثر تنفيذ الخطط المعلنة بشأن الأمن والإدارة داخل القطاع.
ونقلت الصحيفة عن رجل الأعمال الفلسطيني الأميركي بشارة بحبح، الذي ساعد الولايات المتحدة في التفاوض على وقف إطلاق النار مع حركة حماس، قوله إن الوضع المالي للمجلس «بائس للغاية». وأضاف أن المنظمة لم تبدأ بعد أي عمل فعلي داخل غزة بسبب «غياب التمويل اللازم لتنفيذ أي شيء على الأرض».
وتعكس هذه المعطيات، وفق ما تطرحه التقارير الأميركية والبريطانية، اتساع الفجوة بين الوعود السياسية الضخمة التي رافقت إعلان «مجلس السلام» وبين الواقع المالي والتنفيذي على الأرض. فبين تعهدات لم تُصرف، وحسابات مصرفية تثير أسئلة الشفافية، وخطط مثيرة للجدل بشأن مستقبل غزة، يبدو أن المشروع الذي قدمه ترامب باعتباره إطاراً مركزياً لمرحلة ما بعد الحرب لا يزال بعيداً عن التحول إلى قوة فاعلة داخل القطاع.
اقرأ المزيد
صراع المليار دولار.. لِمَ ترفض السعودية تحويل تعهداتها لـ “مجلس السلام” التابع لترامب في غزة؟
خطة “مجلس السلام”: 100 مليون دولار إماراتية لتمويل شرطة غزة الجديدة وقوة دولية بقيادة المغرب

