وطن-وسط هدنة هشة وتبادل متصاعد للتحذيرات بين واشنطن وطهران، عاد ملف مضيق هرمز إلى واجهة التوتر العالمي، مع تصاعد الآمال في إعادة فتح الممر البحري الحيوي أمام التجارة الدولية، مقابل مخاوف من أن ينزلق الصراع مجدداً إلى مواجهة واسعة في الشرق الأوسط.
وقالت وكالة فرانس برس إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن، الأربعاء، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض، أن إيران “تريد بشدة” التوصل إلى اتفاق، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن واشنطن لم تصل بعد إلى ما يرضيها في المفاوضات الجارية.
وأضاف ترامب للصحفيين في قاعة مجلس الوزراء: “إيران مصممة جداً، وتريد بشدة إبرام اتفاق. حتى الآن لم يصلوا إلى تلك النقطة.. نحن غير راضين بعد، لكننا سنكون كذلك. إما ذلك، أو سنضطر ببساطة إلى إنهاء المهمة”.
وتأتي تصريحات ترامب في وقت كانت فيه طهران قد قللت، في وقت سابق من اليوم نفسه، من احتمال العودة إلى الحرب مع الولايات المتحدة، بينما تزايدت التوقعات بشأن اتفاق سلام محتمل قد يسمح بإعادة فتح مضيق هرمز، أحد أهم طرق تجارة الطاقة في العالم، ما انعكس سريعاً على أسواق النفط ودفع الأسعار إلى التراجع.
وبحسب ما أوردته وكالة فرانس برس، فإن القتال متوقف منذ وقف إطلاق النار المعلن في 8 أبريل، إلا أن المفاوضات الرامية إلى إنهاء النزاع واستئناف حركة التجارة عبر الممر البحري المحاصر لا تزال متعثرة، في ظل اضطراب اقتصادي عالمي أحدثته الأزمة الممتدة.
وقال المسؤول البارز في الحرس الثوري الإيراني محمد أكبر زاده إن “احتمال الحرب منخفض بسبب ضعف العدو”، مضيفاً أن القوات المسلحة الإيرانية “تترقب بكامل جاهزيتها وبمخازن ممتلئة”، في رسالة تعكس استمرار التصعيد الخطابي رغم الحديث عن مسار تفاوضي.
واندلع الصراع في الشرق الأوسط أواخر فبراير، عقب ضربات أمريكية إسرائيلية استهدفت إيران، قبل أن يتمدد سريعاً إلى جبهات متعددة ويغرق المنطقة في موجة جديدة من المواجهات العسكرية.
وكشفت فرانس برس أن الآمال بقرب التوصل إلى تفاهم يجنّب المنطقة جولة جديدة من الأعمال القتالية انعكست مباشرة على الأسواق، إذ هبطت عقود النفط القياسية بأكثر من 5% يوم الأربعاء، بفعل الرهان على إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة التجارية.
وزاد من حالة التفاؤل تقرير بثه التلفزيون الإيراني الرسمي، أفاد بأن واشنطن تعهدت، ضمن مسودة إطار تفاهم، برفع الحصار البحري المفروض على إيران، وإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى سحب القوات الأمريكية من منطقة الخليج.
غير أن البيت الأبيض سارع إلى نفي هذه الرواية بشكل قاطع، واصفاً التقرير بأنه “اختلاق كامل”. وقال في منشور على منصة “إكس”: “لا ينبغي لأحد أن يصدق ما تبثه وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية”.
وكانت إيران قد اتهمت الولايات المتحدة، قبل ذلك بيوم، بانتهاك وقف إطلاق النار، محذرة من أنها مستعدة للرد بعد ما وصفته بأخطر ضربات منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ.
وقالت القوات الأمريكية إنها نفذت، ليل الاثنين الثلاثاء، “ضربات دفاعية” استهدفت مواقع صواريخ إيرانية وقوارب مخصصة لزرع الألغام. وفي المقابل، نقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن أكبر زاده قوله إن الجيش الإيراني سيحوّل المنطقة الممتدة على طول السواحل الإيرانية إلى “مقبرة للمعتدين”.
وبحسب وكالة فرانس برس، أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان تسعيان إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية وتقسيم إيران، مشيرة إلى ما قالت إنها أدلة على جهود تهدف إلى إثارة الانقسامات الداخلية وتنفيذ عمليات تخريب.
وتدور، منذ أسابيع، حرب كلامية بين إيران والولايات المتحدة بالتوازي مع المفاوضات، في ظل وساطة تقودها باكستان لمحاولة تقريب وجهات النظر. غير أن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها مصير مضيق هرمز، وملف البرنامج النووي الإيراني.
وفي موقف يعكس تمسك طهران بورقة المضيق، أكدت بحرية الحرس الثوري الإيراني، الأربعاء، أن السفن “المستعدة للالتزام بالأوامر الإيرانية” وحدها هي التي سيسمح لها بالمرور عبر الممر البحري.
وفي المقابل، كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد صرح، الثلاثاء، بأن اتفاق السلام لا يزال ممكناً، لكنه شدد على أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه “بطريقة أو بأخرى”، في إشارة إلى أن واشنطن لا تستبعد الخيارات الصلبة إذا فشلت المفاوضات.
وقالت فرانس برس إن الإيرانيين تلقوا، وسط هذا المناخ المضطرب، خطوة جزئية نحو العودة إلى الحياة الطبيعية، بعدما أعادت السلطات، الثلاثاء، الوصول إلى الإنترنت العالمي بشكل محدود، بعد انقطاع استمر ثلاثة أشهر.
وقالت هناء، وهي طالبة تبلغ من العمر 20 عاماً في طهران، للوكالة إنها تشعر بتحسن لأنها تمكنت أخيراً من استخدام تطبيقاتها المفضلة، لكنها أضافت: “في الوقت نفسه، أخشى أن تستأنف الحرب في أي لحظة، وأن أُقطع مجدداً عن أصدقائي”.
أما أمير، وهو مطور برمجيات يبلغ من العمر 27 عاماً ويقيم في العاصمة الإيرانية، فقال إنه لا يزال يخشى تجدد القتال رغم استمرار وقف إطلاق النار. وأضاف: “أشعر أن لا شيء مؤكداً حتى الآن، رغم استمرار الهدنة ووجود أخبار عن اتفاق محتمل. السؤال اليومي هو: هل ستكون هناك ضربات صاروخية الليلة؟”.
وفي بيان بمناسبة بدء عطلة عيد الأضحى، قال المرشد الأعلى في طهران آية الله مجتبى خامنئي إن الولايات المتحدة تفقد نفوذها في الشرق الأوسط، محذراً الدول من الاستمرار في استضافة قواعد يمكن أن تستخدمها واشنطن لشن هجمات.
وعلى الجبهة اللبنانية من الحرب، قالت وكالة فرانس برس إن إسرائيل شنت، الأربعاء، ضربات واسعة على مناطق في لبنان، شملت محيط مدينة صور، في وقت لا تزال فيه المواجهات بين إسرائيل وحزب الله تتصاعد رغم الهدن المعلنة.
وفي جنوب لبنان، نفذت إسرائيل ضربات، الثلاثاء، قالت وزارة الصحة اللبنانية إنها أسفرت عن مقتل 31 شخصاً، بينهم أربعة أطفال على الأقل. وأفاد مراسل فرانس برس من أحد مواقع القصف قرب صور بأن فرق الإنقاذ كانت تزيل الركام، بينما جرى انتشال كيس جثث أبيض من بين الأنقاض المبعثرة وسط مقتنيات منزلية مثل السجاد والوسائد.
وتطالب إيران بأن يشمل أي اتفاق سلام الجبهة اللبنانية، حيث لم تنجح الهدنة المعلنة في 17 أبريل في وقف القتال الذي بدأ عندما هاجم حزب الله إسرائيل في أوائل مارس.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تعهد، الاثنين، بـ”سحق” حزب الله، فيما قال مسؤول عسكري إسرائيلي لـوكالة فرانس برس، في اليوم التالي، إن القوات الإسرائيلية توسع عملياتها البرية إلى عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية.
من جهته، أعلن حزب الله أن مقاتليه اشتبكوا مع القوات الإسرائيلية “من مسافة صفر” يوم الأربعاء في بلدة ذات أهمية استراتيجية شمال نهر الليطاني، وتقع مباشرة بعد ما تسميه إسرائيل “الخط الأصفر” في جنوب لبنان، حيث تنشط قواتها العسكرية.
وبين تحذيرات ترامب، وتمسك إيران بشروطها في مضيق هرمز، وتصاعد القتال على جبهة لبنان، تبدو الهدنة الحالية أقرب إلى استراحة مؤقتة منها إلى تسوية نهائية، فيما تترقب الأسواق والحكومات أي اختراق دبلوماسي يمكن أن يمنع عودة الحرب إلى المنطقة.
اقرأ المزيد
تزامنًا مع حديث ترامب عن “اتفاق شبه جاهز”.. إيران تستحضر لغة الحرب وتلوّح بخيار المواجهة الوجودية
قلق إسرائيلي من اتفاق أمريكي إيراني مرتقب: “فشل استراتيجي” وتراجع لنفوذ تل أبيب في واشنطن
لعبة الـ 30 يوماً.. كيف يناور ترامب لانتزاع 900 رطل من اليورانيوم الإيراني دون حرب؟

