وطن-في موسم كروي مزدحم ينتظر فيه عشاق اللعبة بطولات كبرى خلال الصيف، تتجه الأنظار هذا السبت إلى بودابست، حيث يلتقي باريس سان جيرمان الفرنسي وآرسنال بطل إنجلترا في نهائي دوري أبطال أوروبا، البطولة الأهم على مستوى الأندية في القارة العجوز. لكن المباراة المرتقبة لا تبدو مجرد مواجهة بين فريقين كبيرين، بل تحولت إلى مناسبة جديدة لطرح سؤال متجدد حول نفوذ المال الخليجي في كرة القدم العالمية.
وقالت صحيفة “نيو لاينز” إن نهائي دوري أبطال أوروبا هذا العام يضع المشجع المحايد أمام معادلة تتجاوز الحسابات الكروية المعتادة. فاختيار الفريق الذي سيحظى بالتشجيع لم يعد مرتبطاً فقط بأسلوب اللعب أو التاريخ أو النجوم، بل دخلت فيه اعتبارات سياسية واقتصادية تتصل بملكية الأندية ورعايتها ومصادر تمويلها.
عادةً ما يحدد المشجعون موقفهم من أي نهائي كبير بناءً على عوامل متعددة؛ مثل العداوات المحلية بين الأندية، أو القرب الثقافي من فريق معين، أو الميل لتشجيع الطرف الأقل حظاً، أو الانجذاب إلى فريق مليء بالنجوم. كما يلعب الأسلوب الفني دوراً مهماً في هذا الاختيار، بين من يفضل الصلابة الدفاعية ومن يميل إلى الكرة الهجومية المفتوحة.
ويحضر هذا التباين بقوة في نهائي باريس سان جيرمان وآرسنال. فالفريق الإنجليزي يُعرف بصلابته الدفاعية التي ساعدته، بحسب الصحيفة، على التتويج بأول لقب له في الدوري الإنجليزي الممتاز منذ 22 عاماً. في المقابل، كسب باريس سان جيرمان إعجاب كثيرين بفضل أسلوبه الهجومي السلس، حتى إن عدداً من المتابعين يعتبرونه حالياً أقوى نادٍ في العالم.
لكن صحيفة “نيو لاينز” أشارت إلى أن استثمارات دول الخليج في أندية الصف الأول بأوروبا أضافت طبقة جديدة من الجدل إلى السؤال التقليدي: من نشجع في النهائي؟ ففي حالة باريس سان جيرمان، يبرز سؤال حساس: هل دعم الفريق الفرنسي في النهائي يمكن أن يُعد شكلاً من أشكال “تبييض السمعة عبر الرياضة”، بالنظر إلى أن النادي مملوك فعلياً لجهة استثمارية مرتبطة بدولة قطر؟
المال الخليجي لم يعد عنصراً هامشياً في كرة القدم الأوروبية، بل أصبح حاضراً بقوة منذ سنوات في الملاعب الكبرى، سواء عبر الملكية المباشرة أو الرعاية التجارية أو حقوق التسمية. وقد زاد هذا الحضور من النقاشات بشأن النفوذ الخليجي في الرياضة الدولية، خصوصاً خلال استضافة قطر كأس العالم 2022، ومع استعداد السعودية لاستضافة نسخة 2034.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن آرسنال نفسه يلعب على ملعب يحمل اسم “الإمارات”، نسبة إلى شركة الطيران التي تتخذ من دبي مقراً لها، وهي أيضاً الراعي الرئيسي لقميص النادي اللندني، كما ترعى قميص ريال مدريد الإسباني. أما مانشستر سيتي، المنافس الأبرز على لقب الدوري الإنجليزي في السنوات الأخيرة، فيخوض مبارياته على ملعب “الاتحاد”، نسبة إلى شركة الطيران التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها.
غير أن المسألة لا تقتصر على أسماء الملاعب أو عقود الرعاية، بل تمتد إلى الملكية المباشرة للأندية الكبرى. فقد اشترى الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس دولة الإمارات، 80% من نادي مانشستر سيتي في عام 2008، في صفقة غيرت تاريخ النادي بالكامل. ومنذ ذلك الحين، تحول سيتي من فريق متوسط الحضور في الكرة الإنجليزية إلى قوة كروية ضخمة تملك القدرة على إنفاق مبالغ هائلة لاستقطاب أبرز اللاعبين والمدربين.
وأضافت “نيو لاينز” أن التجربة السعودية دخلت المشهد الأوروبي أيضاً عبر استحواذ صندوق الاستثمارات العامة السعودي على نادي نيوكاسل يونايتد في عام 2021. غير أن الفريق لم يحقق حتى الآن نجاحات كبيرة بحجم التوقعات، في ظل قيود مالية جديدة تنظم سوق الانتقالات في الدوري الإنجليزي الممتاز وتحد من قدرة الأندية على الإنفاق المفتوح.
في المقابل، اتجهت السعودية إلى تعزيز دوريها المحلي من خلال صفقات ضخمة جذبت أسماء عالمية بارزة. ودفعت أندية الدوري السعودي مئات الملايين من الدولارات للتعاقد مع نجوم كبار، في مقدمتهم كريستيانو رونالدو، بهدف رفع قيمة المسابقة وتسويقها عالمياً.
أما باريس سان جيرمان، فيمثل النموذج الأوضح للملكية الخليجية المباشرة في قمة كرة القدم الأوروبية. فالنادي مملوك لشركة قطر للاستثمارات الرياضية، وهي ذراع تابعة لصندوق الثروة السيادي القطري. وقد اشترت الشركة حصة مسيطرة في النادي عام 2011، قبل أن تصبح المالك الوحيد له بعد عام واحد، مع تعيين رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي رئيساً للنادي.
وكشفت الصحيفة أن حقبة الخليفي شهدت صعود باريس سان جيرمان إلى مصاف أقوى أندية أوروبا. ففي مرحلة من المراحل، امتلك النادي خط هجوم يضم ثلاثة من أغلى وأشهر لاعبي العالم: الفرنسي كيليان مبابي، والبرازيلي نيمار، والأرجنتيني ليونيل ميسي. ومن المرجح أن تكلفة هؤلاء الثلاثة، بين رسوم انتقال ورواتب، تجاوزت مليار دولار.
ولم يقتصر مشروع باريس سان جيرمان على شراء النجوم، بل شمل أيضاً التعاقد مع مدربين كبار، أبرزهم الإسباني لويس إنريكي، أسطورة برشلونة السابق. وبحسب الصحيفة، نجح إنريكي في بناء فريق يعتمد على جيل أصغر من اللاعبين، في محاولة لصناعة قوة أوروبية قادرة على السيطرة لسنوات. وكان باريس سان جيرمان قد تُوج بلقب دوري أبطال أوروبا في الموسم الماضي أيضاً، بعد فوز عريض على إنتر ميلان الإيطالي بخمسة أهداف دون رد في النهائي.
هذا النجاح الكبير للأندية المدعومة بأموال خليجية جعل ملف الملكية والرعاية جزءاً ثابتاً من نقاشات الجماهير قبل المباريات الأوروبية الكبرى. فهناك من يرى أن هذه الأندية استفادت من موارد دول تسعى إلى تعزيز علامتها وصورتها ونفوذها الناعم داخل الفضاء الثقافي الأوروبي، ما يمنحها أفضلية غير عادلة مقارنة بالمنافسين التقليديين.
وتشير “نيو لاينز” إلى أن أحد جوانب الاعتراض يرتبط بالاعتقاد أن بعض هذه الأندية تلتف على القواعد المالية المنظمة للعبة. ويبرز مانشستر سيتي هنا كنموذج شديد الحساسية، إذ يواجه 115 اتهاماً من رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز تتعلق بانتهاكات مزعومة للوائح المالية. وفي حال ثبوت المخالفات، قد تصل العقوبات إلى تجريده من بعض الألقاب أو حتى هبوطه من المسابقة، بينما ينفي النادي جميع الاتهامات الموجهة إليه.
لكن الجدل لا يقف عند حدود المال وقواعد اللعب المالي النظيف. فهناك جانب أخلاقي أكثر تعقيداً، يتعلق بدعم أندية تملكها أو تمولها دول تتعرض لانتقادات في ملفات حقوق الإنسان أو ترتبط بنزاعات إقليمية ودولية. وهذا النوع من الجدل يضع المشجع العادي أمام أسئلة سياسية وجيوسياسية معقدة، رغم أن كثيراً من هؤلاء المشجعين يتابعون أنديتهم منذ عقود، قبل دخول هذه الاستثمارات إلى المشهد.
ففي حالة قطر، ظلت قضايا حقوق العمال والقوانين المناهضة لمجتمع الميم محوراً رئيسياً لانتقادات واسعة منذ اختيارها لاستضافة كأس العالم. أما في حالة الإمارات، فكثيراً ما يُثار دورها في الحرب الأهلية المستمرة في السودان، والتي وُصفت بأنها ترقى إلى مستوى الإبادة، ضمن النقاشات المتعلقة بتشجيع مانشستر سيتي.
وبحسب الصحيفة، فإن نهائي دوري أبطال أوروبا هذا العام يختصر هذه المفارقة بوضوح: فريق يرتدي قميصاً يحمل اسم “الإمارات”، وآخر مملوك لقطر. وبغض النظر عن هوية الفائز على أرض الملعب في بودابست، فإن النفوذ الخليجي سيكون حاضراً في منصة التتويج، بما يؤكد أن كرة القدم الأوروبية لم تعد منفصلة عن خرائط المال والسياسة والقوة الناعمة.
اقرأ ايضاً

