وطن-في تطور ينذر بتفجير واحدة من أخطر الأزمات الدينية والسياسية في الشرق الأوسط، تتزايد المخاوف من تحركات إسرائيلية مدعومة من أطراف داخل الإدارة الأمريكية لإعادة تشكيل الوضع القائم في المسجد الأقصى، عبر تقليص أو إنهاء الوصاية الهاشمية الأردنية على المقدسات الإسلامية في القدس.
وبحسب مقال رأي للكاتب بيتر أوبورن نُشر في موقع “ميدل إيست آي“، تأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه اقتحامات المسؤولين الإسرائيليين والجماعات الدينية المتطرفة للمسجد الأقصى، وسط تحذيرات من أن أي محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم قد تدفع المنطقة نحو مواجهة دينية مفتوحة تتجاوز حدود فلسطين والأردن.
ويُعد المسجد الأقصى ثالث أقدس موقع في الإسلام بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، فيما يتولى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وفق ترتيبات تاريخية مدعومة بالقانون الدولي واتفاقيات رسمية.
لكن تقارير سياسية وإعلامية متزايدة تتحدث عن ضغوط إسرائيلية وأمريكية تهدف إلى تقليص هذا الدور الأردني، ومنح إسرائيل نفوذاً أوسع داخل إدارة المسجد الأقصى، بما يشمل التدخل في تعيين الأئمة والإشراف على شؤون المسجد والخطب الدينية.
وتشير هذه التحركات إلى تحول خطير في ملف القدس، خصوصاً مع صعود تيارات دينية وقومية متشددة داخل الحكومة الإسرائيلية، ترى أن السيطرة الكاملة على المسجد الأقصى تمثل هدفاً استراتيجياً وعقائدياً.
وخلال السنوات الماضية، تصاعدت الاقتحامات الإسرائيلية لباحات الأقصى، بالتزامن مع تزايد الدعوات من جماعات يهودية متطرفة لهدم قبة الصخرة وبناء ما يسمى “الهيكل الثالث”، في خطوات يعتبرها الفلسطينيون والأردنيون استفزازاً مباشراً لمشاعر المسلمين حول العالم.
ويرى مراقبون أن أي مساس بالوصاية الهاشمية قد يضع الأردن أمام اختبار وجودي غير مسبوق، خاصة أن المملكة تعتبر نفسها تاريخياً مسؤولة عن حماية المقدسات في القدس، وأن هذا الدور يمثل أحد أعمدة شرعية النظام السياسي الأردني.
وبحسب وثائق ومواقف رسمية أردنية سابقة، فإن الدفاع عن المسجد الأقصى لا يُنظر إليه في عمّان كملف دبلوماسي فقط، بل كواجب ديني وتاريخي وسيادي. وقد شددت وثيقة أردنية رسمية حول الوصاية الهاشمية على أن حماية الأقصى “واجب مقدس” وأن تغيير الوضع القائم قد يؤدي إلى انفجار صراع ديني واسع النطاق.
ويحذر محللون من أن أي مواجهة حول الأقصى لن تبقى محصورة داخل الأراضي الفلسطينية، بل قد تمتد إلى المنطقة بأكملها، في ظل الغضب الشعبي المتصاعد بسبب الحرب في غزة والانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس.
كما يواجه الأردن ضغوطاً داخلية متزايدة، حيث يرى قطاع واسع من الأردنيين، بمن فيهم أبناء العشائر الأردنية والفلسطينيون المقيمون في المملكة، أن استمرار الاقتحامات الإسرائيلية للأقصى يمس بشكل مباشر هوية الأردن ودوره الإقليمي.
ويؤكد مراقبون أن الأردن يمتلك أوراق ضغط حساسة في أي تصعيد محتمل، خصوصاً أن حدوده الطويلة مع إسرائيل تُعد من أكثر الجبهات استقراراً منذ توقيع اتفاق السلام بين البلدين عام 1994. لكن هذا الاستقرار قد يصبح مهدداً إذا انفجرت أزمة الأقصى بشكل أوسع.
كما أن أي صدام مفتوح قد يفتح الباب أمام تحركات إقليمية وشعبية من دول عربية وإسلامية، في ظل المكانة الدينية الحساسة للمسجد الأقصى لدى نحو ملياري مسلم حول العالم.
ويرى خبراء أن إسرائيل تدرك خطورة اللعب بورقة الأقصى، لكن وجود شخصيات متشددة داخل الحكومة الإسرائيلية يدفع باتجاه خطوات أكثر جرأة قد تخرج عن السيطرة، خاصة مع الدعم السياسي الذي تتلقاه من بعض التيارات داخل الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يعتقد مراقبون أن الملك عبد الله الثاني يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: إما القبول بتآكل الوصاية الهاشمية تدريجياً، أو الدخول في مواجهة سياسية وربما أمنية لحماية المسجد الأقصى ومنع فرض واقع جديد في القدس.
ومع استمرار التصعيد الإسرائيلي، تبدو القدس مرة أخرى في قلب صراع تتجاوز أبعاده السياسة والجغرافيا، ليصبح صراعاً على الهوية والعقيدة والسيادة الدينية، في منطقة تعيش أصلاً على وقع توترات غير مسبوقة.
ويبقى السؤال المطروح: هل تذهب إسرائيل فعلاً نحو تغيير جذري في وضع المسجد الأقصى؟ وإذا حدث ذلك، هل يتحول الأردن من موقع الاحتجاج السياسي إلى مرحلة المواجهة المفتوحة دفاعاً عن الوصاية الهاشمية والمقدسات الإسلامية في القدس؟
اقرأ المزيد
خطة كوشنر السرية.. هل ينجح “المركز متعدد الأديان” في إنهاء الوصاية الأردنية وتقسيم الأقصى؟
أمر مصادرة تاريخي.. كيف تُخطط حكومة الاحتلال لانتزاع عقارات “باب السلسلة” ومحيط الأقصى؟

