وطن-تبدو واشنطن وطهران أقرب إلى تمديد وقف إطلاق النار الهش بينهما، لكن الطريق نحو اتفاق سلام أوسع لا يزال محفوفاً بعقبات كبيرة، في مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وملف تخفيف العقوبات، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين إمدادات النفط في العالم.
وقالت صحيفة «ذا ويك» إن الهدنة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران باتت تمثل اختباراً حساساً لقدرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الموازنة بين ضغوط الداخل ومتطلبات السياسة الخارجية، في وقت يحاول فيه المفاوضون صياغة تفاهم أولي قد يخفف الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.
وبينما تتحرك الدبلوماسية في محاولة لتثبيت الهدنة، وجّهت واشنطن رسالة واضحة إلى طهران مفادها أن الخيار العسكري لم يسقط من الحسابات. فقد أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال مشاركته في قمة «حوار شانغريلا» الأمنية في سنغافورة، أن الولايات المتحدة لا تزال «أكثر من قادرة» على استئناف العمليات العسكرية إذا فشلت المفاوضات في الوصول إلى اتفاق مقبول.
وأضافت الصحيفة أن هيغسيث شدد على أن المخزونات العسكرية الأميركية والقدرات المنتشرة في المنطقة لم تتأثر، رغم أسابيع من المواجهات والتوترات مع إيران. وجاء هذا التحذير في وقت يدرس فيه ترامب ما إذا كان سيوافق على إطار تفاهم مبدئي جرى التفاوض بشأنه بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين.
وبحسب ما أوردته «ذا ويك»، فإن المقترح المطروح ينص على تمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 60 يوماً، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري من دون قيود، مع توفير مساحة زمنية لمفاوضات أوسع تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وشروط أي تسوية طويلة الأمد.
غير أن الاتفاق الناشئ، رغم أهميته، يكشف حجم المأزق السياسي والاستراتيجي الذي يواجهه ترامب. فالرئيس الأميركي يتعرض لضغوط متزايدة من أجل تهدئة أسواق النفط وخفض أسعار الوقود، بعد أشهر من الاضطرابات التي سببتها المواجهات العسكرية وقيود الملاحة في الخليج.
ويحظى مضيق هرمز بمكانة محورية في الأزمة، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية. وأي تعطيل طويل الأمد للملاحة في هذا الممر الحيوي من شأنه أن يرفع كلفة الطاقة عالمياً، ويزيد الضغط على الاقتصادات المستوردة للنفط.
وكشفت الصحيفة أن ترامب، في المقابل، يواجه اعتراضات متنامية من داخل الحزب الجمهوري، لا سيما من نواب بارزين وصقور السياسة الخارجية الذين يطالبون بأن يضمن أي اتفاق منع إيران بشكل دائم من امتلاك سلاح نووي.
وحذر عدد من الجمهوريين، وبينهم منتقدون قدامى لإيران داخل الكونغرس، من تقديم تنازلات قد تبدو شبيهة ببنود الاتفاق النووي المبرم عام 2015 في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما، وهو الاتفاق الذي انسحب منه ترامب خلال ولايته الأولى.
ولمحاولة طمأنة المعسكرين، شدد ترامب في تصريحاته العلنية على أن أي اتفاق يجب أن يضمن عدم حصول إيران على سلاح نووي. كما طالب طهران بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وإنهاء أي تهديدات بحرية، والقبول بشروط صارمة تتعلق بأنشطتها النووية.
لكن العقبات لا تزال قائمة. فقد رفض مسؤولون إيرانيون الإيحاء بأن اتفاقاً نهائياً قد تم التوصل إليه، مؤكدين أن البرنامج النووي الإيراني مخصص لأغراض سلمية. كما شددت طهران على أن أي ترتيب طويل الأمد يجب أن يتضمن تخفيفاً للعقوبات وتنازلات متبادلة.
وقالت صحيفة «ذا ويك» إن الإطار المقترح لا يحسم عدداً من الملفات الجوهرية، بينها مستقبل مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وحجم تخفيف العقوبات الأميركية، والوضع طويل الأمد لحرية الملاحة في مضيق هرمز.
ويرى محللون أن تمديد وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران قد يمنع تصعيداً فورياً، لكنه لن يعالج جوهر الخلاف الاستراتيجي الذي قاد إلى الأزمة. فالملف النووي الإيراني لا يزال في قلب المواجهة، كما أن انعدام الثقة بين الجانبين يجعل أي تفاهم عرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني أو سياسي.
وبالنسبة إلى ترامب، لا تقتصر المخاطر على السياسة الخارجية وحدها. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وتراجع معدلات التأييد، يدرك البيت الأبيض أن استمرار الاضطراب في أسواق الطاقة قد يترك آثاراً سياسية داخلية، خصوصاً إذا انعكس على أسعار الوقود ومعيشة الناخب الأميركي.
وفي الوقت نفسه، فإن أي انطباع بأن الإدارة الأميركية قدمت تنازلات كبيرة لطهران قد يثير غضب جزء من القاعدة السياسية لترامب، التي تؤيد سياسة أكثر تشدداً تجاه إيران. لذلك تتحرك الإدارة الأميركية في مساحة ضيقة بين الدبلوماسية والردع العسكري.
وأضافت الصحيفة أن رغبة واشنطن وطهران في تجنب العودة إلى حرب شاملة لا تعني أن التصعيد مستبعد. فالتبادل العسكري الأخير والاتهامات المتبادلة بانتهاك وقف إطلاق النار يبرهنان على أن المفاوضات قد تنهار سريعاً إذا فقد الطرفان القدرة على ضبط الميدان.
ومع استمرار المحادثات، يبقى تحذير البنتاغون بأن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً رسالة ضغط واضحة على إيران، وفي الوقت ذاته أداة يستخدمها ترامب لإقناع خصومه في الداخل بأن الدبلوماسية لا تعني التراجع.
وخلال الأيام المقبلة، قد يحسم قرار ترامب بشأن إطار الاتفاق مصير الأزمة: إما فتح الباب أمام تسوية تفاوضية تخفف التوتر في الخليج وتحمي إمدادات النفط العالمية، أو العودة إلى مسار صدامي جديد قد يعيد إشعال المواجهة ويزيد اضطراب الجغرافيا السياسية في غرب آسيا.
اقرأ المزيد
تزامنًا مع حديث ترامب عن “اتفاق شبه جاهز”.. إيران تستحضر لغة الحرب وتلوّح بخيار المواجهة الوجودية
مضيق هرمز مقابل العقوبات.. كواليس مقترح الـ 14 بنداً لإنهاء الحصار البحري عن إيران
ترامب يعلن رفع حصار مضيق هرمز مقابل إلغاء الرسوم وتدمير يورانيوم إيران.. وطهران تنفي

