وطن-يُعد مرض السكري من أكثر الأمراض المزمنة خطورة عندما لا تتم السيطرة عليه بالشكل الصحيح، ليس فقط لأنه يرفع مستويات السكر في الدم، بل لأنه يتحول مع الوقت إلى عامل تدمير بطيء لعدد من أعضاء الجسم الحيوية، وفي مقدمتها الكلى. فهذان العضوان الصغيران يعملان بلا توقف لتنقية الدم، والتخلص من السموم والسوائل الزائدة، والحفاظ على توازن الجسم الداخلي.
وقالت صحيفة «إل إسبانيول» الإسبانية، في تقرير صحي، إن الخطر الأكبر في تأثير السكري على الكلى يكمن في أن الضرر قد يتطور لسنوات طويلة دون أعراض واضحة، إلى أن يصل المريض إلى مرحلة يصعب فيها عكس التلف أو إيقافه بالكامل.
وتعمل الكلى كمنظومة دقيقة للترشيح؛ إذ تنقي الدم وتعيد المواد الضرورية إلى الدورة الدموية، بينما تطرح الفضلات عبر البول. لكن عندما يبقى سكر الدم مرتفعاً لفترات طويلة، تبدأ هذه المنظومة في التضرر تدريجياً، كما لو أن مرشحاً صُمم للمياه النظيفة يتعرض باستمرار لمياه ملوثة وقاسية، فيضعف أداؤه ثم يتلف مع الوقت.
وبحسب الصحيفة، يُعرف هذا التلف باسم «اعتلال الكلى السكري»، وهو من أبرز أسباب مرض الكلى المزمن والفشل الكلوي النهائي حول العالم، خصوصاً لدى المرضى الذين لا يلتزمون بضبط مستويات السكر وضغط الدم والمتابعة الطبية الدورية.
كيف يهاجم السكري الكلى بصمت؟
يتمثل المتهم الأول في هذه العملية في ارتفاع السكر المزمن في الدم. فمع مرور الوقت، يؤدي فائض الجلوكوز إلى إتلاف الأوعية الدموية الدقيقة داخل الكلى، وتحديداً في وحدات الترشيح المعروفة باسم الكبيبات. هذه الوحدات مسؤولة عن تصفية الدم بدقة، لكن السكري يجعل جدرانها أكثر سماكة وصلابة، ما يضعف قدرتها على أداء وظيفتها بكفاءة.
وأضافت صحيفة «إل إسبانيول» أن الكلى، مع بداية هذا التلف، قد تبدأ في تسريب بروتينات مهمة إلى البول، مثل الألبومين، وهو بروتين ينبغي أن يبقى داخل الجسم ولا يُفقد بهذه الطريقة. وتكمن المشكلة في أن هذه المرحلة لا تسبب ألماً ولا تظهر معها علامات مزعجة، ما يجعل المريض يعتقد أن كل شيء على ما يرام.
في هذه الفترة، تستمر الكلى في العمل، لكنها تعمل بكفاءة أقل من السابق. ومع غياب الفحوصات المنتظمة، قد يستمر الضرر في التقدم بصمت، حتى يصبح واضحاً بعد أن تكون نسبة كبيرة من وظيفة الكلى قد تأثرت بالفعل.
مراحل تدهور وظائف الكلى بسبب السكري
لا يحدث اعتلال الكلى السكري فجأة، بل يتطور عبر مراحل متدرجة. وتبدأ المرحلة الأولى بما يُعرف بفرط الترشيح، حيث تضطر الكلى إلى العمل بمجهود أكبر للتخلص من آثار ارتفاع السكر في الدم. وقد يبدو في هذه المرحلة أن وظائف الكلى طبيعية، لكنها في الواقع تعمل تحت ضغط زائد يرهقها مع مرور الوقت.
وكشفت الصحيفة أن المرحلة التالية تُعرف باسم «البيلة الألبومينية الدقيقة»، وهي أول علامة يمكن اكتشافها على بداية تلف الكلى. في هذه الحالة، تبدأ كميات صغيرة من بروتين الألبومين في الظهور داخل البول، ولا يمكن رصدها إلا من خلال تحليل بول مخصص. ورغم أهمية هذه العلامة، فإن المريض غالباً لا يشعر بأي أعراض.
ومع استمرار الضرر، ينتقل المرض إلى مرحلة «البيلة الألبومينية الكبيرة»، حيث ترتفع كمية الألبومين المفقودة في البول بشكل واضح. عندها تبدأ وظائف الكلى في التراجع بصورة أكثر ملاحظة، وقد تظهر أعراض مثل تورم القدمين أو الكاحلين أو اليدين، إلى جانب احتمال ارتفاع ضغط الدم.
أما المرحلة الرابعة، فتتمثل في قصور كلوي متوسط إلى شديد، حيث تنخفض قدرة الكلى على تصفية الدم بشكل كبير. وفي هذه المرحلة قد يعاني المريض من التعب المستمر، والغثيان، وفقدان الشهية، وحكة الجلد، وصعوبة التركيز، إلى جانب زيادة التورم في الأطراف. وبحسب ما أوردته الصحيفة، يصبح خطر الوصول إلى الفشل الكلوي النهائي في هذه المرحلة أمراً واقعياً إذا لم يتم التدخل الطبي بصرامة.
وتأتي المرحلة الخامسة بوصفها الأخطر، وهي مرحلة الفشل الكلوي النهائي. هنا تكون الكلى قد فقدت معظم قدرتها على أداء وظائفها، ويصبح المريض بحاجة إلى الغسيل الكلوي أو زراعة الكلى للاستمرار في الحياة، مع ظهور أعراض شديدة تؤثر في الجسم كله وليس في الجهاز البولي فقط.
لماذا لا يشعر مريض السكري بالخطر مبكراً؟
تكمن خطورة اعتلال الكلى السكري في طبيعته الصامتة. فغالبية المرضى لا يشعرون بأي ألم أو تغير كبير في بداية المرض، وقد تمر سنوات قبل ظهور أعراض واضحة. وعندما تبدأ علامات مثل التعب أو التورم أو فقدان الشهية، يكون التلف غالباً قد وصل إلى مرحلة متقدمة.
وأوضحت صحيفة «إل إسبانيول» أن بعض الأعراض قد تختلط مع مشكلات صحية أخرى، ما يؤخر التشخيص. فالإرهاق قد يُنسب إلى ضغط العمل أو قلة النوم، والتورم قد يُفسر بمشكلات الدورة الدموية أو الوقوف لفترات طويلة، بينما يكون السبب الحقيقي هو تراجع وظائف الكلى.
لذلك، لا يمكن الاعتماد على الإحساس العام بالصحة وحده. فمريض السكري قد يبدو بحالة جيدة، بينما تحدث تغيرات دقيقة داخل الكلى لا تظهر إلا عبر التحاليل الطبية، خصوصاً تحليل الألبومين في البول وفحوصات وظائف الكلى.
الوقاية تبدأ من ضبط السكر والضغط
غلى الرغم من خطورة اعتلال الكلى السكري، فإن الوقاية منه ممكنة بدرجة كبيرة، كما يمكن إبطاء تطوره بشكل واضح عند اكتشافه مبكراً. وتبدأ الحماية من السيطرة الصارمة على مستويات السكر في الدم، والالتزام بالخطة العلاجية التي يحددها الطبيب، سواء عبر الأدوية أو الإنسولين أو تعديل نمط الحياة.
وبحسب الصحيفة، فإن ضبط ضغط الدم لا يقل أهمية عن ضبط السكر، لأن ارتفاع الضغط يسرّع تلف الأوعية الدقيقة داخل الكلى، ويزيد خطر الإصابة بالفشل الكلوي. لذلك يحتاج مريض السكري إلى متابعة مستمرة للضغط، وعدم تجاهل أي ارتفاع متكرر في قراءاته.
كما تلعب التغذية الصحية دوراً مهماً في حماية الكلى، من خلال تقليل الأطعمة عالية الملح والدهون، والاعتماد على وجبات متوازنة، إلى جانب ممارسة النشاط البدني بانتظام بما يتناسب مع حالة المريض. ويساعد نمط الحياة الصحي على تحسين حساسية الجسم للإنسولين، وتقليل العبء الواقع على الكلى والقلب والأوعية الدموية.
وتبقى الفحوصات الدورية حجر الأساس في الوقاية. فحتى إذا لم يشعر مريض السكري بأي أعراض، يجب عليه إجراء تحاليل البول للكشف عن الألبومين، وفحوصات وظائف الكلى، وفق الجدول الذي يحدده الطبيب. هذه الفحوصات قد تكشف الخطر في مرحلة مبكرة، قبل أن يتحول إلى ضرر دائم.
في النهاية، لا ينبغي لمريض السكري أن ينتظر حتى ترسل الكلى إشارات استغاثة متأخرة. فالحفاظ على الكلى يبدأ من اليوم الأول للتشخيص، عبر ضبط السكر والضغط، والالتزام بالعلاج، والمتابعة الطبية المنتظمة. فالكلى ليست مجرد عضو يعمل في الخلفية، بل خط دفاع أساسي عن جودة الحياة واستمرارها.
اقرأ المزيد
مرآة القلب الخفية.. كيف يكشف لون لسانك وملمسه مبكرا عن قصور القلب وتصلب الشرايين
خبير قلب يوصي: تناول السردين مرتين أسبوعياً لهذا السبب المذهل!

