وطن-في مقابلة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنه يقدم أكثر من رواية في الوقت نفسه حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، متنقلاً بين الاعتراف بالأخطاء التاريخية، والتفاخر بالقوة العسكرية، والتهديد بتصعيد جديد ضد إيران.
وخلال ظهوره مع لارا ترامب على قناة فوكس نيوز، تحدث ترامب بنبرة بدت في بدايتها أقرب إلى النقد الذاتي، عندما قال إن الولايات المتحدة “ما كان ينبغي أن تكون في العراق”، واصفاً الحرب هناك بأنها “خطأ غبي”.
لكن المفاجأة جاءت عندما وسّع ترامب هذا التوصيف ليشمل إيران أيضاً، قائلاً إن واشنطن “ما كان ينبغي أن تكون في إيران”، قبل أن يعود سريعاً للتأكيد على أن طهران تمتلك “قدرات خطيرة”، في انتقال مفاجئ من لغة الندم إلى خطاب التهديد والتصعيد.
من الاعتراف بالخطأ إلى إعلان “النصر الكامل”
لم يدم خطاب المراجعة طويلاً. فبعد لحظات فقط، عاد ترامب ليتحدث بلغة مختلفة تماماً، مؤكداً أن الضربات الأميركية الأخيرة “منعت إيران من امتلاك سلاح نووي”، وأن قاذفات بي-2 “أنهت المسار بالكامل”، في إشارة إلى العمليات العسكرية التي استهدفت مواقع إيرانية خلال الأشهر الماضية.
لكن التناقض الأكثر إثارة للانتباه ظهر عندما تحدث ترامب عن الجيش الإيراني. ففي جزء من المقابلة، قال إنه “ترك الجيش الإيراني إلى حد كبير وشأنه” لأنه “أكثر اعتدالاً”، قبل أن يعود في المقطع نفسه تقريباً ليؤكد أن البحرية الإيرانية “انتهت بنسبة 100%”، وأن سلاح الجو الإيراني “دُمّر بالكامل”.
وبين عبارتي “تركناهم وشأنهم” و”دمرناهم بالكامل”، بدا الخطاب الأميركي وكأنه يتحرك بين روايتين متناقضتين يصعب الجمع بينهما في سياق واحد.
تهديدات جديدة تحت غطاء التفاوض
ولم تتوقف تصريحات ترامب عند حدود التناقض في توصيف ما جرى، بل امتدت إلى مستقبل العلاقة مع إيران. فقد لوّح مجدداً باستخدام القوة العسكرية، قائلاً إن الولايات المتحدة “قريبة جداً من اتفاق”، لكنه حذر من أنه “إذا لم نحصل على ما نريد فسننهي الأمر بطريقة أخرى”.
ويرى مراقبون أن هذا النوع من التصريحات يعكس أسلوب ترامب المعروف القائم على المزج بين التفاوض والتهديد في الوقت نفسه، حيث تُستخدم لغة الاتفاقات السياسية بالتوازي مع رسائل القوة العسكرية.
ويعتبر محللون أن الخطاب المتقلب للرئيس الأميركي يعكس أيضاً حالة الانقسام داخل المؤسسة الأميركية بشأن كيفية التعامل مع إيران، خاصة بعد أشهر من التصعيد العسكري والمفاوضات غير المباشرة التي لم تصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي ومستقر.
أي رواية يجب تصديقها؟
أثارت المقابلة تساؤلات واسعة حول مدى اتساق الرواية الأميركية الرسمية تجاه ما حدث في إيران والعراق، خصوصاً أن تصريحات ترامب بدت وكأنها تجمع بين الاعتراف بفشل التدخلات العسكرية الأميركية، والتأكيد في الوقت نفسه على نجاح الضربات الأخيرة في “تدمير” القدرات الإيرانية.
ويرى منتقدو ترامب أن هذا التناقض يعكس حالة من الارتباك السياسي والإعلامي داخل الإدارة الأميركية، بينما يعتبر مؤيدوه أن الرئيس الأميركي يستخدم خطاباً مرناً يخاطب جماهير متعددة في الداخل والخارج.
لكن بالنسبة لكثير من المتابعين، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بتناقض التصريحات، بل بتأثيرها على صورة السياسة الأميركية نفسها، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات متزايدة في الشرق الأوسط، وتعيش المنطقة على وقع توتر دائم بين احتمالات الاتفاق واحتمالات الحرب.
وبين خطاب الندم على التدخلات العسكرية، وحديث “التدمير الكامل” للقوات الإيرانية، تبدو رواية ترامب وكأنها تتحرك باستمرار بين النقيض وضده، ما يترك سؤالاً مفتوحاً: هل ما يقوله الرئيس الأميركي يعكس استراتيجية مدروسة، أم أن السياسة الأميركية أصبحت بالفعل أسيرة خطاب متقلب يتغير من جملة إلى أخرى؟
اقرأ أيضاً
تناقضات أبوظبي الإقليمية: كيف يفضح سجل اليمن والسودان وغزة خطاب الإمارات حول القانون الدولي؟
ترامب يعلن رفع حصار مضيق هرمز مقابل إلغاء الرسوم وتدمير يورانيوم إيران.. وطهران تنفي
لعبة الـ 30 يوماً.. كيف يناور ترامب لانتزاع 900 رطل من اليورانيوم الإيراني دون حرب؟

