وطن-في أزقة مدينة لكناو القديمة شمال الهند، لا تبدو صور المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي مجرد ملصقات سياسية عابرة، بل رموزاً لهوية دينية وثقافية متجذرة تمتد لعقود طويلة بين شيعة الهند وإيران، في مشهد يكشف جانباً معقداً من التداخل بين السياسة والعقيدة والتاريخ داخل واحدة من أكبر الديمقراطيات الحليفة لإسرائيل.
وبحسب تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني للصحفي جاكاب ثورب من مدينة لكناو الهندية، تحولت ساحات المدينة وأحياؤها القديمة إلى فضاء مفتوح للتعبير عن الحداد والتضامن مع إيران بعد مقتل خامنئي خلال الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في فبراير الماضي.
صور خامنئي وشعارات “المقاومة” تملأ شوارع لكناو
في ساحة حسين آباد تشوك، إحدى أشهر ساحات المدينة القديمة، ارتفعت صور ضخمة لخامنئي كتب عليها باللغة الهندية: “تحية قلبية دامعة للقائد العظيم ومرشد السلام العالمي والإنسانية”. كما ظهرت صور نجله مجتبى خامنئي باعتباره المرشد الجديد لإيران.
وفي الشوارع الضيقة للمدينة، انتشرت الرسومات الجدارية واللافتات المؤيدة لإيران، فيما رُسمت أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل على الأرض ليطأها المارة، إلى جانب صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وأشار التقرير إلى أن مشاعر الغضب تصاعدت بشكل كبير بعد الحرب الأخيرة على إيران، خصوصاً داخل المجتمع الشيعي في لكناو، التي تعد أكبر مركز للشيعة في الهند.
من “كربلاء” إلى “خامنئي”
بعد الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، خرجت احتجاجات واسعة في المدينة، وردد المتظاهرون شعارات مثل “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل”، قبل أن تتحول مراسم الحداد إلى تظاهرات سياسية حاشدة أمام مجمع “بادا إمامبارا”، أحد أبرز المعالم الدينية في لكناو.
واستخدم المتظاهرون شعارات مستوحاة من معركة كربلاء، مثل: “إذا قتلتم حسينياً سيخرج من كل بيت حسيني”، قبل تحويلها إلى: “إذا قتلتم خامنئياً سيخرج من كل بيت خامنئي”.
ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس شعوراً متزايداً لدى شيعة الهند بأنهم جزء من ما يُعرف بمحور “المقاومة” العابر للحدود، والذي تقوده إيران سياسياً ودينياً.
جذور فارسية عميقة في شمال الهند
العلاقة بين لكناو وإيران لا تعود فقط إلى الثورة الإيرانية عام 1979، بل تمتد إلى قرون طويلة من التأثير الفارسي في شمال الهند.
فمدينة لكناو كانت خلال حكم نواب أوده في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أحد أبرز مراكز الثقافة الإسلامية الفارسية في الهند، حتى أنها لُقبت بـ”شيراز الشرق”.
ولا تزال آثار هذا الإرث واضحة في العمارة والمطبخ والموسيقى واللغة وحتى العادات اليومية، وفق التقرير.
وقال رجل الدين الشيعي أكبر مهدي، المقيم في مدينة قم الإيرانية، إن “البصمة الإيرانية واضحة في الطعام وطريقة الحديث وحتى تفاصيل الحياة اليومية في لكناو”.
الثورة الإيرانية غيّرت هوية شيعة الهند
وعلى الرغم من وجود روابط دينية قديمة، فإن الثورة التي قادها آية الله روح الله الخميني عام 1979 شكلت نقطة تحول كبرى في علاقة شيعة الهند بإيران.
فبعد الثورة، بدأ كثير من رجال الدين الشيعة في لكناو التوجه إلى إيران للدراسة الدينية، كما أصبح مفهوم “ولاية الفقيه” أكثر حضوراً داخل الخطاب الديني الشيعي المحلي.
وأشار التقرير إلى أن قرية “كنتّور” قرب لكناو تعد موطناً تاريخياً لعائلة الخميني، حيث ولد جد الخميني، السيد أحمد الموسوي الهندي، قبل انتقاله إلى إيران في القرن التاسع عشر.
تضامن شعبي رغم تحالف الهند مع إسرائيل
المفارقة اللافتة، بحسب التقرير، أن هذه المظاهر المؤيدة لإيران تحدث داخل الهند التي يقودها رئيس الوزراء ناريندرا مودي، أحد أبرز حلفاء إسرائيل في آسيا.
فالهند تعد أكبر مشترٍ للأسلحة الإسرائيلية في العالم، كما تربطها بإسرائيل علاقات سياسية وعسكرية متنامية.
وقبل اندلاع الحرب بأيام، كان مودي في زيارة رسمية إلى إسرائيل، حيث وصف العلاقة بين البلدين بأنها “تحالف تاريخي”، في وقت كانت فيه شوارع لكناو تغلي غضباً ضد تل أبيب وواشنطن.
حرب إيران تضغط على الاقتصاد الهندي
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب السياسي فقط، بل امتدت إلى الاقتصاد الهندي أيضاً، خاصة مع اعتماد الهند الكبير على الطاقة القادمة عبر مضيق هرمز.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة تسببت في ارتفاع القلق داخل الهند، مع ازدياد طوابير شراء الغاز المنزلي وارتفاع المخاوف من اضطرابات الطاقة.
كما دعا مودي الهنود إلى استخدام وسائل النقل العامة والعمل من المنزل لتخفيف الضغط على استهلاك الوقود، في ظل المخاوف من توسع الحرب.
انقسام بين الشارع والسياسة الرسمية
ويكشف المشهد في لكناو عن فجوة واضحة بين السياسة الخارجية الرسمية للهند، الداعمة لإسرائيل، وبين مشاعر قطاع واسع من الشيعة والمسلمين الهنود المتعاطفين مع إيران وفلسطين.
لكن على الرغم من هذا التعاطف الشعبي، يؤكد رجال دين ونشطاء شيعة أن قدرتهم على تحدي الحكومة الهندية تبقى محدودة، في ظل الضغوط السياسية والمناخ الداخلي الذي تهيمن عليه القومية الهندوسية.
ومع استمرار الحرب والتوترات الإقليمية، تبدو لكناو نموذجاً معقداً لتشابك الدين والسياسة والهوية في جنوب آسيا، حيث تتحول شوارع مدينة هندية إلى مساحة تعكس صراع النفوذ بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بعيداً عن حدود الشرق الأوسط نفسها.
اقرأ المزيد
اغتيال خامنئي يكشف اختراقًا خطيرًا للأمن الإيراني وأزمة ثقة داخل النظام
تصعيد خطير: غارات أمريكية إسرائيلية تستهدف طهران ومدناً إيرانية وإيران تتوعد برد ساحق

