وطن-دخلت المحكمة الجنائية الدولية مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب التصويت على مستقبل المدعي العام كريم خان، وسط تحذيرات نرويجية من أي خطوات قد تعطي انطباعاً بتسييس المؤسسة القضائية الدولية في واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً منذ تأسيس المحكمة.
وبحسب ما نقلته صحيفة “ميدل إيست آي“، دعا نائب وزير الخارجية النرويجي أندرياس كرافيك الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الالتزام الصارم بالإجراءات القانونية المعتمدة عند التعامل مع ملف المدعي العام كريم خان، مؤكداً أن أي تجاوز لهذه الآليات قد يضر بمصداقية المحكمة ويقوض ثقة المجتمع الدولي بها.
النرويج تدعو إلى احترام الإجراءات القانونية
أكد كرافيك أن احترام القواعد المعتمدة للتحقيق في مزاعم سوء السلوك يمثل أساساً لحماية استقلال المحكمة الجنائية الدولية، مشيراً إلى أن تجاهل هذه الإجراءات قد يخلق انطباعاً بأن القرارات تتأثر باعتبارات سياسية بدلاً من المعايير القانونية.
وقال المسؤول النرويجي إن المحكمة تواجه ضغوطاً متزايدة من بعض الدول التي تحاول تصويرها كمؤسسة مسيسة، محذراً من أن أي قرار لا يستند إلى الضمانات القانونية الواجبة قد يمنح منتقدي المحكمة فرصة إضافية للطعن في نزاهتها.
كيف ستُحسم قضية كريم خان؟
يتولى مكتب جمعية الدول الأطراف، المكون من 21 دولة، دراسة ملف كريم خان على خلفية مزاعم سوء سلوك ينفيها المدعي العام بشكل كامل.
وفي حال أوصى المكتب باعتبار خان مسؤولاً عن سوء سلوك جسيم، فسيُحال الملف إلى جمعية الدول الأطراف التي تضم 125 دولة للتصويت عليه. ويتطلب اعتماد القرار أغلبية الثلثين، قبل الانتقال إلى تصويت منفصل بشأن عزله من منصبه.
وتعد النرويج من الدول المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، لكنها لا تشارك حالياً في المكتب الذي يتولى دراسة القضية.
تقرير القضاة يبرئ المدعي العام
وفقاً لما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن لجنة قانونية مكونة من ثلاثة قضاة درست نتائج تحقيق أممي مستقل بشأن الادعاءات الموجهة إلى كريم خان، وخلصت بالإجماع إلى أن الأدلة والوقائع المعروضة لا تثبت ارتكابه أي سوء سلوك أو إخلال بواجباته المهنية.
وأشار كرافيك إلى أن النرويج اطلعت على معلومات موثوقة تفيد بأن استنتاجات لجنة القضاة لم تجد أساساً قانونياً لاتخاذ إجراءات قد تصل إلى إبعاد خان عن مهامه.
وأضاف أن احترام نتائج التحقيقات القانونية المستقلة يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على شرعية أي قرار مستقبلي تتخذه المحكمة أو الدول الأعضاء.
أزمة داخلية غير مسبوقة
بدأت الأزمة في مايو 2024 بعد ظهور مزاعم تتعلق بسوء سلوك جنسي ضد كريم خان، وهي اتهامات نفاها المدعي العام بشكل قاطع.
وبعد رفض صاحبة الشكوى التعاون مع أجهزة التحقيق الداخلية للمحكمة، تم تكليف جهة خارجية بإشراف الأمم المتحدة لإجراء تحقيق مستقل، قبل إحالة نتائجه إلى لجنة القضاة الثلاثة.
وأدخلت هذه التطورات المحكمة الجنائية الدولية في حالة من الجدل والانقسام الداخلي، وسط مخاوف من تأثير القضية على عمل المؤسسة القضائية الدولية.
تزامن مثير مع ملفات غزة وأوكرانيا
تكتسب القضية بعداً سياسياً إضافياً بسبب توقيتها، إذ تتزامن مع تحقيقات يقودها مكتب كريم خان بشأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في عدة ملفات دولية حساسة.
فخلال السنوات الأخيرة، لعب خان دوراً محورياً في إصدار أو طلب مذكرات توقيف بحق شخصيات بارزة، من بينها:
- الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
- رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
- قادة في المجلس العسكري بميانمار.
- قيادات من حركة طالبان في أفغانستان.
وأدت هذه التحركات إلى ردود فعل حادة، شملت فرض عقوبات أمريكية على خان ومسؤولين آخرين في المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى إصدار روسيا مذكرة توقيف بحقه.
النرويج تجدد دعم المحكمة الجنائية الدولية
في المقابل، أكدت النرويج استمرار دعمها الكامل للمحكمة الجنائية الدولية ورفضها العقوبات المفروضة على مسؤوليها.
وشدد كرافيك على أن فرض عقوبات على قضاة ومدعين عامين بسبب قيامهم بمهامهم القضائية يمثل سابقة خطيرة تهدد استقلال العدالة الدولية.
كما جدد التزام بلاده بتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة، بما في ذلك المذكرات المتعلقة بقادة دول ومسؤولين كبار، مؤكداً أن النرويج ستواصل العمل مع شركائها الأوروبيين والدوليين لحماية المحكمة وضمان قدرتها على أداء مهامها بعيداً عن الضغوط السياسية.
اختبار لمستقبل العدالة الدولية
يرى مراقبون أن قضية كريم خان لم تعد مجرد ملف إداري داخلي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لاستقلال المحكمة الجنائية الدولية وقدرتها على الصمود أمام الضغوط السياسية الدولية.
ومع اقتراب موعد التصويت الحاسم، تتجه الأنظار إلى الدول الأعضاء لمعرفة ما إذا كانت ستتمسك بالمعايير القانونية والإجرائية، أم أن التجاذبات السياسية ستلقي بظلالها على مستقبل واحدة من أهم مؤسسات العدالة الدولية في العالم.
اقرأ المزيد
تعويض بـ 1.5 مليون يورو وعودة للمنصب.. قاضٍ دولي يفجّر مفاجأة ويدافع عن كريم خان
بين انقسام أوروبا وحظر شنغن.. كيف يمهد هجوم المحكمة الجنائية لمحاصرة “سموتريتش وبن غفير”؟
بين انقسام أوروبا وحظر شنغن.. كيف يمهد هجوم المحكمة الجنائية لمحاصرة “سموتريتش وبن غفير”؟

