وطن-لسنوات طويلة، ظلت كوريا الشمالية واحدة من أكثر دول العالم انغلاقاً وغموضاً. فالزائرون القلائل الذين سُمح لهم بدخول بيونغ يانغ كانوا يتحركون تحت رقابة مشددة، وينقلون صورة عن بلد تتحكم فيه الدولة في أدق تفاصيل الحياة اليومية، حتى بدت العاصمة وكأنها عالقة في زمن غير واضح المعالم. غير أن المشهد بدأ يتغير بصورة لافتة، خصوصاً في بيونغ يانغ، حيث تشهد العاصمة الكورية الشمالية مؤشرات انتعاش اقتصادي غير معتاد، مدفوعاً بتحولات إقليمية ودولية كان أبرزها الحرب الروسية على أوكرانيا.
وقالت صحيفة “ذا وول ستريت جورنال” إن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون استفاد اقتصادياً وسياسياً من الحرب في أوكرانيا، بعدما تحولت بلاده إلى شريك مهم لموسكو في تزويدها بالذخائر والدعم العسكري. وفي الوقت نفسه، تراقب الصين عن كثب هذا التحول، وهو ما عكسته زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ، في رسالة تؤكد أن بكين لا تريد ترك الساحة الكورية الشمالية للنفوذ الروسي وحده.
وكانت آخر زيارة للرئيس الصيني إلى بيونغ يانغ قبل نحو سبع سنوات، حين كانت كوريا الشمالية تمر بمرحلة صعبة نتيجة العقوبات الدولية وفشل المحادثات النووية مع الولايات المتحدة. ثم جاءت جائحة كورونا لتزيد عزلة البلاد، بعدما فرض النظام الكوري الشمالي إغلاقاً صارماً للحدود. لكن الوضع اليوم يبدو مختلفاً، إذ تميل الرياح لمصلحة كيم جونغ أون بفضل تحالفه المتنامي مع روسيا، والدعم الصيني المستمر، وقدرة النظام على الالتفاف على العقوبات الدولية.
وبحسب ما أوردته “ذا وول ستريت جورنال”، فإن الاقتصاد الكوري الشمالي بدأ يستفيد من عدة مصادر متزامنة، من بينها بيع الأسلحة لروسيا، وإرسال قوات إلى الجبهات الروسية، إلى جانب الإمدادات والتمويل الآتيين من الصين. ورغم أن النظام لا ينشر بيانات اقتصادية رسمية، فإن مؤشرات الحركة التجارية والطاقة والبناء داخل البلاد تعكس تغيراً ملحوظاً مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة.
بيونغ يانغ تتغير: سيارات كهربائية وهواتف محمولة ومطاعم دولية
في العاصمة بيونغ يانغ، حيث تقيم النخبة السياسية والعسكرية في كوريا الشمالية، تبدو مظاهر التحول أكثر وضوحاً. فقد نقلت صحيفة ذا وول ستريت جورنال عن عدد من المسافرين الذين زاروا المدينة مؤخراً أن استخدام السيارات الكهربائية بات لافتاً في الشوارع، إلى جانب انتشار الهواتف المحمولة بين السكان بشكل أكبر من السابق.
وتشير المعلومات التي أوردتها الصحيفة إلى وجود أكثر من 50 علامة تجارية مختلفة للهواتف المحمولة في كوريا الشمالية. كما أفادت وكالة فوستوك إنتور الروسية بأن الإنتاج المحلي من الأجهزة يصل إلى نحو نصف مليون جهاز سنوياً، وهو رقم يعكس بداية تشكل اقتصاد رقمي محدود داخل دولة ظلت لعقود بعيدة عن الانفتاح التكنولوجي.
ولم يقتصر التغير على الهواتف والمركبات، إذ بدأت مطاعم الفنادق الكبرى في بيونغ يانغ تقدم أطباقاً عالمية إلى جانب المأكولات المحلية. كما يدفع كيم جونغ أون باتجاه طفرة عمرانية واسعة، حيث تم بناء نحو 10 آلاف وحدة سكنية جديدة في العاصمة خلال العام الماضي، في مدينة يقطنها نحو ثلاثة ملايين نسمة.
وأضافت “ذا وول ستريت جورنال” أن هذه المشاهد لا تبدو مجرد دعاية رسمية، إذ تؤكد تقديرات من كوريا الجنوبية وجود نشاط اقتصادي فعلي خلفها. فقد ارتفعت حركة السفن في منشآت تخزين النفط داخل كوريا الشمالية، كما أصبحت البلاد تضيء ليلاً بدرجة تفوق ما كانت عليه قبل خمس سنوات بنحو ثلاثة أضعاف، وفقاً لبيانات رصدتها سول.
وتشير الأرقام التي جمعتها كوريا الجنوبية إلى أن كوريا الشمالية تشهد انتعاشاً اقتصادياً منذ عام 2023، مع تسجيل معدل نمو بلغ 3.7% في عام 2024، وهو الأعلى منذ عام 2016، فيما يُتوقع أن يدور النمو خلال عام 2025 حول 3.3%.
لكن هذه المؤشرات لا تعني أن كوريا الشمالية تجاوزت أزماتها العميقة. فالنظام ما زال يفرض رقابة شديدة على المعلومات، ويتابع بدقة تحركات كل من يزور البلاد. وخارج العاصمة، لا تزال كوريا الشمالية بلداً فقيراً يعاني من مشكلات غذائية واسعة، إذ يشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من نصف سكان البلاد البالغ عددهم 26 مليون نسمة يعانون من سوء التغذية.
كما أن نظام السيطرة الداخلية في كوريا الشمالية لا يزال من بين الأكثر قسوة في العالم. وبحسب تقارير دولية، تعد البلاد واحدة من أكبر منتهكي حقوق الإنسان، حيث تخضع حياة المواطنين لمراقبة صارمة، وتبقى حرية الحركة والتعبير محدودة للغاية.
حرب أوكرانيا تمنح كيم جونغ أون فرصة اقتصادية
أحد أبرز أسباب التحول الاقتصادي الأخير في كوريا الشمالية يرتبط بالحرب الروسية على أوكرانيا. فقد استفاد نظام كيم جونغ أون من حاجة موسكو المتزايدة إلى الذخائر والدعم العسكري، وقدم لها كميات كبيرة من الأسلحة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات.
وقالت صحيفة ذا “وول ستريت جورنال” إن كوريا الشمالية لم تكتفِ بتزويد روسيا بالذخائر، بل أرسلت نحو 15 ألف جندي إلى خطوط القتال الروسية في حرب أوكرانيا. ووفقاً للتقديرات الواردة في التقرير، قُتل أو أصيب نحو ثلث هؤلاء الجنود، ما يعكس حجم الانخراط الكوري الشمالي في دعم موسكو عسكرياً.
وبحسب تقديرات معهد استراتيجية الأمن القومي في سول، وهو مركز أبحاث مرتبط بجهاز الاستخبارات الكوري الجنوبي، فقد جنت بيونغ يانغ مليارات الدولارات من صفقات السلاح مع روسيا. كما ساعد هذا التقارب في تعزيز إمدادات الطاقة إلى كوريا الشمالية، وتحسين وصولها إلى مواد البناء، وهي عناصر أساسية في دعم الطفرة العمرانية التي تشهدها العاصمة.
ولا يمثل التقارب مع موسكو مجرد مكسب مالي لكوريا الشمالية، بل يمنح كيم جونغ أون مساحة سياسية أوسع في مواجهة العقوبات الدولية. فكلما زادت حاجة روسيا إلى بيونغ يانغ، تعززت قدرة النظام الكوري الشمالي على المناورة، سواء في ملفه النووي أو في علاقاته مع الصين والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
الصين تراقب التقارب بين موسكو وبيونغ يانغ
في موازاة العلاقة المتنامية مع روسيا، تبقى الصين الشريك الأهم لكوريا الشمالية. فقد وصل حجم التجارة الشهرية بين البلدين مؤخراً إلى أعلى مستوى له منذ ثماني سنوات، في مؤشر على عودة النشاط الاقتصادي عبر الحدود بعد سنوات من الإغلاق والتراجع.
وأوضحت صحيفة “ذا وول ستريت جورنال” أن انتشار الأجهزة التكنولوجية داخل كوريا الشمالية، والذي يشكل بداية ما يمكن وصفه باقتصاد رقمي محلي، يعتمد بدرجة كبيرة على مكونات صينية. وهذا يجعل بكين لاعباً أساسياً في أي تحول اقتصادي داخل كوريا الشمالية، حتى مع صعود نفوذ موسكو.
وتدعو كل من الصين وروسيا، وهما دولتان تتمتعان بحق النقض في مجلس الأمن الدولي، إلى تخفيف العقوبات المفروضة على بيونغ يانغ. وفي الوقت نفسه، يعمل كيم جونغ أون على توسيع شبكة حلفائه المحتملين، إذ شارك في الخريف الماضي للمرة الأولى في عرض عسكري صيني إلى جانب أكثر من عشرين زعيماً أجنبياً، كما استقبل الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو.
وبحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية BBC عن مصادر مطلعة، فإن الصين تشعر بقلق متزايد من التحالف المتسارع بين بيونغ يانغ وموسكو. فبكين تريد الاستقرار على حدودها، كما ترغب في الحفاظ على نفوذها التقليدي داخل كوريا الشمالية، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن تُجر إلى أزمات جديدة بسبب الطموحات النووية لكيم جونغ أون.
وخلال استضافة كيم للرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته بينغ ليوان يومي الاثنين والثلاثاء، بدا أن بكين تسعى إلى متابعة ما يجري في بيونغ يانغ عن قرب. فالصين، وفق تقديرات مراقبين، لا تريد أن يصبح النفوذ الروسي هو العامل الحاسم في قرارات النظام الكوري الشمالي، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الدولي واتساع حضور بكين على الساحة العالمية.
ونقلت BBC عن أنكيت باندا، المتخصص في السياسة النووية بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، قوله إن الصين تريد التأكد من أن مصالحها المتعلقة بكوريا الشمالية لا تزال محمية في لحظة تشهد تقارباً سريعاً بين موسكو وبيونغ يانغ.
ويرى مراقبون أن لقاء شي جين بينغ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل زيارته إلى كوريا الشمالية قد يكون جزءاً من محاولة صينية أوسع لضبط التوازن بين موسكو وبيونغ يانغ. فالصين لا ترغب في خسارة نفوذها على جارها الكوري الشمالي، ولا في رؤية كيم جونغ أون أكثر استقلالاً وثقة بفضل الدعم الروسي.
وفي نهاية المطاف، تبقى كوريا الشمالية دولة معزولة إلى حد كبير عن العالم، وتعتمد بصورة رئيسية على الصين وروسيا في الاقتصاد والسياسة والأمن. لكن التحول الجديد يكشف أن بيونغ يانغ لم تعد مجرد دولة محاصرة تبحث عن البقاء، بل باتت تحاول استثمار صراعات الكبار، خصوصاً حرب أوكرانيا، لتحسين اقتصادها وتعزيز موقعها التفاوضي. أما الصين، فتبدو اليوم أمام معادلة دقيقة: دعم حليفها القديم من دون السماح لروسيا بأن تصبح صاحبة الكلمة الأقوى في بيونغ يانغ.
اقرأ المزيد
كوريا الشمالية تعدّل دستورها: ضربة نووية تلقائية إذا اغتيل كيم جونغ أون

