وطن-في منطقةٍ تتنفس كرة القدم كما تتنفس الحياة اليومية، يبدو أن حلم استضافة كأس العالم لا يزال بعيداً عن دول أمريكا الوسطى، رغم أن البطولة الأضخم في اللعبة تقترب جغرافياً منها أكثر من أي وقت مضى. فمع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ستجد دول مثل غواتيمالا وكوستاريكا وهندوراس ونيكاراغوا والسلفادور نفسها مجدداً على مقاعد المتفرجين، لا داخل الملاعب المضيفة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن كأس العالم يصل عملياً إلى عتبة أمريكا الوسطى، لكن شروط الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» تجعل استضافة أي دولة من هذه المنطقة للبطولة أمراً شبه مستحيل في المستقبل القريب، ليس بسبب غياب الشعبية الجماهيرية، بل بسبب كلفة التنظيم ومتطلبات البنية التحتية الضخمة.
وتنطلق النسخة المقبلة من البطولة بتنظيم مشترك بين المكسيك والولايات المتحدة وكندا، في أكبر نسخة بتاريخ كأس العالم، وسط توقعات بأن تحقق «فيفا» إيرادات تقارب 11 مليار دولار. وعلى بعد مسافة قصيرة جنوب الدول المضيفة، تمتد منطقة تعيش كرة القدم بتفاصيلها اليومية؛ أطفال يلعبون في ملاعب ترابية، وجماهير توقف المدن عند كل فوز لمنتخبها الوطني.
لكن، وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن الحضور الكروي والشغف الجماهيري لا يكفيان لدخول نادي الدول المضيفة. فدول أمريكا الوسطى لن تستضيف أي مباراة في كأس العالم 2026، كما أن بنما وحدها من المنطقة نجحت في التأهل إلى البطولة، بينما تبقى بقية الدول خارج الحسابات التنظيمية والاقتصادية.
المشكلة الأساسية لا تتعلق بالمستوى الرياضي، بل بالمال. فمع توسع كأس العالم وتحوله إلى مشروع تجاري عالمي بالغ الضخامة، ارتفعت كلفة التنظيم إلى مستويات تفوق قدرات معظم الدول النامية. وتفتقر دول أمريكا الوسطى إلى الملاعب الكبرى وشبكات النقل الحديثة والفنادق والبنية اللوجستية التي تشترطها «فيفا»، فضلاً عن محدودية مواردها المالية في منطقة تصل فيها معدلات الفقر إلى نحو 50% في بعض الدول.
ونقلت صحيفة “ميدل إيست آي” عن دانيال راشر، خبير اقتصاد الرياضة في جامعة سان فرانسيسكو، قوله إن الدول الصغيرة والنامية تواجه صعوبة كبيرة في استضافة كأس العالم بسبب الحاجة إلى عدد كبير من الملاعب عالية الجودة، القادرة على تحقيق عوائد تجارية من التذاكر والرعايات والخدمات وحتى مواقف السيارات ووسائل النقل.
وأضاف راشر أن “فيفا” تطلب من الدول المضيفة تحمّل المخاطر المالية وتعويضها عن أي خسائر محتملة، وهو ما يزيد العبء على الدول التي تفكر في تقديم ملفات استضافة.
وتشترط “فيفا” وجود ما لا يقل عن 14 ملعباً بسعة لا تقل عن 40 ألف متفرج، إلى جانب فنادق ومنشآت تدريب وشبكات نقل وخدمات لوجستية قادرة على استقبال مئات الآلاف من الزوار. وهذه المتطلبات تجعل استضافة البطولة مشروعاً يتجاوز الرياضة إلى إعادة تشكيل واسعة للبنية التحتية الوطنية.
وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن نموذج الاستضافة المعتمد لدى «فيفا» يزيد من صعوبة المهمة. فرغم أن الاتحاد الدولي يجني مليارات الدولارات من حقوق البث والرعاية والشراكات التجارية، فإنه لا يمول البنية التحتية اللازمة لتنظيم البطولة. وتنص اتفاقيات المدن المضيفة على أن تتحمل المدن جميع التكاليف والمصروفات المرتبطة بالوفاء بالتزامات الاستضافة، مع التنازل عن أي مطالبات بالمسؤولية تجاه «فيفا».
وفي المقابل، لا تحصل الدول أو المدن المضيفة إلا على عوائد محدودة نسبياً، مثل رسوم تأجير الملاعب والجوائز المالية التي توزع على المنتخبات المشاركة. وهذه الأموال لا تكفي لتمويل الطرق والمطارات ووسائل النقل والمرافق العامة التي يتطلبها تنظيم كأس العالم.
وبحسب تقديرات نقلتها ميدل إيست آي، تحتاج كل مدينة مضيفة إلى إنفاق ما بين 100 و200 مليون دولار على البنية التحتية والأمن والخدمات اللوجستية فقط. أما في أمريكا الوسطى، فالفجوة أكبر بكثير.
وقال فيكتور أومانا فارغاس، الباحث في مركز أمريكا اللاتينية للتنافسية والتنمية المستدامة التابع لكلية «إنكاي» لإدارة الأعمال في كوستاريكا، إن هناك ملعباً واحداً فقط في أمريكا الوسطى يمكنه ربما استضافة مباراتين، وهو الاستاد الوطني في كوستاريكا، «لكن الأمر لا يتجاوز ذلك».
وأضاف فارغاس، الذي شغل منصب المدير التنفيذي للجنة المنظمة المحلية لكأس العالم للسيدات تحت 20 عاماً في كوستاريكا عام 2022، أن التحديات لا تقف عند حدود الملاعب. فكوستاريكا وبنما تتمتعان بمستويات معيشية أعلى بكثير من بعض دول الجوار، ما يجعل التنسيق الإقليمي صعباً. كما أن أغلب دول المنطقة ديمقراطية، وبالتالي فإن تمويل ملف ضخم لاستضافة كأس العالم سيحتاج إلى دعم شعبي واسع، وهو أمر يصعب تبريره سياسياً أمام احتياجات اجتماعية واقتصادية ملحة.
وتوضح صحيفة “ميدل إيست آي” أن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة دول أمريكا الوسطى على الدفع، بل بما إذا كان هذا الاستثمار منطقياً من الأساس. فالتجارب السابقة تظهر أن استضافة كأس العالم لا تضمن عائداً اقتصادياً يعوض الكلفة الهائلة.
فقد أنفقت قطر، وفق تقديرات متداولة، نحو 220 مليار دولار على البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2022، لتصبح البطولة الأغلى في التاريخ. وبحسب صندوق النقد الدولي، تراوح العائد الاقتصادي من السياحة وإيرادات البث بين 2.3 و4.1 مليار دولار فقط.
أما البرازيل، التي استضافت كأس العالم 2014، فتقدم مثالاً آخر على المخاطر المالية. فقد بلغت كلفة البطولة نحو 15 مليار دولار، شملت ما لا يقل عن 3.6 مليار دولار لبناء أو تجديد 12 ملعباً. ورغم استقبال البلاد نحو أربعة ملايين زائر، فإن عائدات السياحة لم تغط سوى جزء محدود من النفقات.
وقدرت وكالة “موديز” آنذاك الأثر الاقتصادي الإجمالي للبطولة بنحو 11.1 مليار دولار، مع توقعات بأن تضيف فقط 0.4% إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال عقد كامل. لكن المشكلة الأكبر ظهرت بعد انتهاء البطولة، حين وجدت مدن برازيلية نفسها أمام ملاعب ضخمة لا تجد استخداماً منتظماً، وبعضها بسعات تقارب 50 ألف متفرج، بينما تستخدمها أندية من درجات متدنية لا يتجاوز متوسط حضور مبارياتها 1500 مشجع.
ورغم هذه المعطيات، يرى بعض خبراء اقتصاد الرياضة أن استضافة الأحداث الكبرى قد تحقق مكاسب غير مباشرة يصعب قياسها. ونقلت ميدل إيست آي عن فيكتور ماثيسون، أستاذ اقتصاد الرياضة في كلية «هولي كروس» بولاية ماساتشوستس، قوله إن هناك بعض الأدلة، وإن كانت ضعيفة، على أن البطولات الكبرى مثل كأس العالم قد تجمع الناس بطريقة تسهل لاحقاً التواصل بين قادة الأعمال، وقد تفتح الباب أمام مفاوضات تجارية مستقبلية.
وأوضح ماثيسون أنه إذا استضافت جنوب أفريقيا كأس العالم وشاركت كوستاريكا في البطولة، فقد تظهر زيادة محدودة في التبادل التجاري بين البلدين مقارنة بدول مشابهة مثل هندوراس أو نيكاراغوا. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الاستضافة قرار صحيح اقتصادياً.
ويرى ماثيسون وخبراء آخرون أن هذه الفوائد غير الملموسة نادراً ما تعوض العبء المالي. ومع توسع كأس العالم إلى 48 منتخباً بدءاً من نسخة 2026، تصبح المتطلبات أكثر تعقيداً، إذ تحتاج البطولة إلى ملاعب أكثر ومنشآت تدريب إضافية وقدرات لوجستية أكبر من أي نسخة سابقة.
وبحسب الصحيفة البريطانية، فإن هذا التوسع يعزز فرص الدول الأكبر والأغنى فقط، ويفتح تساؤلات حول ما إذا كان كأس العالم لا يزال حدثاً عالمياً بالمعنى الحقيقي، أم أنه أصبح بطولة لا تستطيع استضافتها فعلياً إلا مجموعة محدودة من الدول القادرة مالياً.
وكان منح جنوب أفريقيا حق استضافة كأس العالم 2010 قد قوبل بترحيب واسع باعتباره اعترافاً بمكانة أفريقيا في كرة القدم العالمية. لكن التجربة تركت دولة نامية نسبياً أمام تكاليف ضخمة، في الوقت الذي جنت فيه «فيفا» مليارات الدولارات من البطولة.
وأشار ماثيسون إلى ما حدث في البرازيل، قائلاً إن الاحتجاجات ضد كأس العالم خرجت في بلد يعد من أكثر دول العالم عشقاً لكرة القدم، بعدما رأى المواطنون أن الأموال حُولت من خدمات عامة مثل النقل إلى ملاعب باهظة الثمن، في وقت كانت فيه أسعار الحافلات ترتفع. وأضاف أنه شاهد بنفسه الناس يتظاهرون في الشوارع، مؤكداً أن الأمر لم يحدث في بلد لا يهتم بكرة القدم، بل في قلب واحدة من أكبر الثقافات الكروية عالمياً.
وتلفت “ميدل إيست آي” إلى المفارقة بين خطاب «فيفا» ونموذجها التجاري. فالشعار الرسمي للاتحاد الدولي يقول إن «كرة القدم توحد العالم»، كما يقدم نفسه باعتباره مؤسسة تعمل «من أجل اللعبة ومن أجل العالم». وتؤكد «فيفا» أيضاً التزامها بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، بما في ذلك تقليل عدم المساواة وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل.
لكن نموذج الاستضافة الحالي، وفق منتقدين، يجعل حتى تنظيم عدد محدود من مباريات كأس العالم يتطلب استثمارات تتجاوز قدرة معظم الدول النامية. وقال دينيس كوتس، خبير اقتصاد الرياضة في جامعة ميريلاند، للصحيفة إن «فيفا ستفعل ما هو الأفضل لفيفا، ومن غير المرجح أن يشمل ذلك منح حقوق الاستضافة لدول صغيرة ونامية».
وأضاف كوتس أن الاتحاد الدولي لا يبدو أنه يعطي وزناً كبيراً لمكاسب مثل الظهور الدولي أو الفخر الوطني أو التفاؤل داخل الدول المضيفة المحتملة، مشيراً إلى أن هذه الأمور يصعب قياسها اقتصادياً.
ومن المتوقع أن تحقق “فيفا” نحو 11 مليار دولار من إيرادات كأس العالم 2026، بينما تحصل كل جمعية وطنية خلال الدورة المالية ذاتها على نحو 5 ملايين دولار فقط. وفي المقابل، ارتفعت احتياطيات الاتحاد الدولي من 1.5 مليار دولار عام 2014 إلى قرابة 4 مليارات دولار في 2022.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن نيكولاس آر. ويبستر، الأستاذ المساعد في إدارة الرياضة بجامعة ميشيغان، قوله إن «فيفا» تقدم كرة القدم باعتبارها منفعة عامة عالمية، لكن ممارساتها التجارية لا تنسجم مع هذا الخطاب.
ويرى منتقدون أن الهيئة الحاكمة لكرة القدم العالمية تستخلص مليارات الدولارات من لعبة ذات شعبية كونية، بينما لا تستثمر بما يكفي لمساعدة الدول الفقيرة على بلوغ المعايير المطلوبة لاستضافة أكبر بطولاتها.
أما أندرو زيمباليست، الاقتصادي في كلية سميث وأحد أبرز المتخصصين عالمياً في اقتصاديات الأحداث الرياضية الكبرى، فكان أكثر حدة في تقييمه، إذ قال للصحيفة إن «فيفا تهتم بنفسها»، معتبراً أن رئيسها جياني إنفانتينو يمثل «إساءة» لصورة المؤسسة.
وختم زيمباليست بتقييم قاطع، قائلاً إن استضافة كأس العالم ليست فرصة تنموية، بل قد تكون عائقاً أمام التنمية، خصوصاً في الدول التي لا تمتلك الملاعب والبنية التحتية المطابقة لمتطلبات «فيفا». وبرأيه، فإن حتى الدول المضيفة لنسخة 2026، الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ستتحمل أضراراً من الاستضافة، رغم قدراتها الاقتصادية الكبيرة مقارنة بدول أمريكا الوسطى.
قد يعجبك

