وطن-في تطور لافت يضع المحكمة الجنائية الدولية أمام أزمة داخلية وسياسية حساسة، عُلّقت مهام المدعي العام للمحكمة كريم خان بأثر فوري، بعد إحالة إجراءات تأديبية بحقه إلى الدول الأعضاء، على خلفية تحقيق يتعلق باتهامات بسوء سلوك جنسي، في وقت يؤكد محاموه أنه لم يرتكب أي مخالفة.
وقالت صحيفة “فوكس نيوز” إن قرار تعليق خان لا يقتصر أثره على داخل المحكمة الواقعة في لاهاي، بل يمتد إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، بعدما كان المدعي العام نفسه قد طلب إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية الحرب الإسرائيلية على حركة حماس في قطاع غزة.
وتُعد المحكمة الجنائية الدولية هيئة قضائية دائمة أُنشئت بموجب نظام روما الأساسي، ومقرها مدينة لاهاي الهولندية، وتختص بملاحقة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، عندما تكون المحاكم الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في القيام بدورها.
وبحسب ما أوردته “فوكس نيوز”، فإن خان أصبح خلال السنوات الماضية واحداً من أكثر المدعين العامين إثارة للجدل على مستوى العالم، خصوصاً بعد تحركه القضائي ضد نتنياهو وغالانت، وهو ما رفضته إسرائيل والولايات المتحدة بشكل قاطع. ولا تُعد إسرائيل أو الولايات المتحدة من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، كما ترفضان اختصاصها القضائي في هذا الملف.
وأعلنت رئاسة المحكمة الجنائية الدولية، في بيان صدر الثلاثاء، أن مكتب جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي قرر إحالة الإجراءات التأديبية ضد المدعي العام كريم خان إلى الجمعية الكاملة للدول الأطراف، وتعليق مهامه إلى حين صدور قرار نهائي، إضافة إلى الدعوة لعقد جلسة خاصة للنظر في القضية.
وقالت رئاسة المحكمة في بيانها إن المحكمة “تدعو بكل احترام جمعية الدول الأطراف إلى إنجاز العملية بأعلى أولوية”، مؤكدة في الوقت ذاته أهمية الحفاظ على سير أعمال المحكمة ومصداقية إجراءاتها.
وأشارت “فوكس نيوز” إلى أن خان، الذي ينفي ارتكاب أي مخالفات، قاد المسار القانوني المثير للجدل المتعلق بطلب إصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وهي الخطوة التي أثارت ردود فعل حادة في إسرائيل والولايات المتحدة، واعتُبرت من جانب مسؤولين إسرائيليين محاولة لمساواة قادة إسرائيل بعناصر حركة حماس.
وجاء تعليق مهام كريم خان بعد تحقيق استمر 18 شهراً في اتهامات بسوء سلوك جنسي تتعلق بمحامية تعمل في مكتبه. وقال محامو خان، وفق ما نقلته الصحيفة، إن الاتهامات لا أساس لها، ووصفوا القرار بأنه “غير قانوني وغير عادل إجرائياً وغير مدعوم بالأدلة”.
ومرت نتائج التحقيق بعدة مراحل من المراجعة. وبحسب ما نقلته رويترز، فإن تحقيقاً أجراه مكتب خدمات الرقابة الداخلية التابع للأمم المتحدة خلص إلى وجود أدلة تدعم الاتهامات، في حين انتهت مراجعة قضائية منفصلة إلى أن الأدلة غير كافية لإثبات سوء السلوك بما يتجاوز الشك المعقول.
وأضافت رويترز أن مكتب جمعية الدول الأطراف، وهو الجهة التي تشرف على المحكمة نيابة عن الدول الأعضاء، خلص رغم ذلك إلى أن خان ارتكب “سوء سلوك جسيماً” مرتبطاً بنشاط جنسي غير رضائي، وأوصى بعزله من منصبه.
كما ذكرت وكالة “أسوشيتد برس” أن التحقيق التأديبي خلص إلى أن خان تورط في “سوء سلوك خطير” و”إخلال جسيم بالواجب”، وهي توصيفات تزيد من حساسية القضية بالنسبة إلى المؤسسة القضائية الدولية التي تواجه بالفعل انتقادات سياسية واسعة بسبب ملفاتها المفتوحة.
وتنتقل القضية الآن إلى جلسة خاصة لجمعية الدول الأطراف، وهي الهيئة الحاكمة للمحكمة الجنائية الدولية وتضم 125 دولة عضواً. وسيكون القرار النهائي بيد الجمعية، فيما لم يُحدد بعد موعد انعقاد الجلسة الخاصة.
وقالت ليز إيفنسون، مديرة العدالة الدولية في منظمة هيومن رايتس ووتش، في تصريح لـ فوكس نيوز ديجيتال، إن تعامل الدول الأطراف مع القضية بجدية “أمر مهم”، لكنها أشارت إلى أن القرار سري ولا يمكن التعليق على تفاصيله. وأضافت أن المنظمة ستراقب الخطوات المقبلة عن كثب، داعية الدول الأطراف إلى مواصلة دعم المحكمة في عملها المهم عبر مختلف الملفات المعروضة عليها.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، بعد أشهر من طلب كريم خان ذلك رسمياً. وقوبلت الخطوة بإدانة قوية من إسرائيل والولايات المتحدة، حيث اعتبر مسؤولون في البلدين أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها وتبنت مقاربة سياسية منحازة.
وبحسب “فوكس نيوز”، فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقوبات على كريم خان في فبراير 2025، بسبب إجراءات المحكمة التي استهدفت مسؤولين إسرائيليين. وجاءت العقوبات بموجب أمر تنفيذي يستهدف مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية المنخرطين في إجراءات ضد الولايات المتحدة أو حلفائها، وشملت تجميد الأصول وقيوداً على دخول الولايات المتحدة، قبل أن تضيف وزارة الخزانة الأميركية اسم خان إلى قائمة العقوبات.
وقال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، في تصريح لـ فوكس نيوز ديجيتال، إن موقف الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية “لم يتغير قط”، مضيفاً: “نحن نعارض أي تجاوز من المحكمة الجنائية الدولية ضد الولايات المتحدة أو حلفائنا. نقطة. ونتوقع من شركائنا الوقوف معنا كتفاً إلى كتف في مواجهة هذه الإجراءات الصادمة”.
وأوضح والتز أن واشنطن تتابع الإجراءات التأديبية الجارية ضد كريم خان، لكنه امتنع عن التعليق على تفاصيل القضية نفسها. وقال: “بالنسبة إلى وضع المدعي العام كريم خان، فمن المفارقة أن هذا المدعي سعى إلى سجن رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً، ونحن الآن نتابع تعليقه الفوري والإجراءات التأديبية الجارية بحقه. وبالطبع لن نعلق على تفاصيل هذه القضية بينما لا تزال مستمرة”.
وأثار تعليق مهام خان ردود فعل فورية في إسرائيل، حيث اعتبر مسؤولون إسرائيليون أن القرار يقوض بشكل إضافي ملف المحكمة ضد نتنياهو وغالانت. وكتب نتنياهو، الأربعاء، على منصة “إكس”: “تريدون صرف الانتباه عن اتهامات بجرائم جنسية؟ اختلقوا فقط اتهامات بجرائم حرب ضد إسرائيل! أمر كلاسيكي”. وأضاف: “المحكمة الجنائية الدولية فاسدة حتى النخاع”.
ونقلت “فوكس نيوز” عن السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون قوله إن تعليق مهام كريم خان يثبت أن مشكلات المحكمة الجنائية الدولية لا تتعلق بشخص واحد فقط. وأضاف: “قرار المحكمة الجنائية الدولية تعليق مهام المدعي العام في لاهاي كريم خان فوراً، بعد تحقيق الأمم المتحدة، يثبت أن هذه المؤسسة متعفنة حتى النخاع. حان الوقت الآن لإلغاء لوائح الاتهام العبثية ضد رئيس الوزراء نتنياهو”.
من جهتها، قالت آن بايفسكي، رئيسة منظمة “أصوات حقوق الإنسان” ومديرة معهد تورو لحقوق الإنسان والهولوكوست، في تصريح لـ فوكس نيوز ديجيتال، إن الفضيحة ألحقت ضرراً كبيراً بمصداقية المحكمة بأكملها. وأضافت أن قصة المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام “ليست مجرد تفاحة فاسدة”، معتبرة أن منظومة المحكمة بأكملها سمحت بإطالة إجراءات محاسبة خان لنحو عامين منذ الإبلاغ الأول عن الوقائع المنسوبة إليه.
ورأت بايفسكي أن تحركات المحكمة ضد المسؤولين الإسرائيليين ينبغي أن تخضع الآن لتدقيق جديد، قائلة إن قضاة المحكمة خلصوا إلى أن جهود خان “لتجريم رئيس وزراء إسرائيل ووزير دفاعها” لم تتأثر بما وصفته بالأدلة التي تشير إلى أنه كان يحاول استخدام هجومه على الإسرائيليين لإنقاذ نفسه. وأضافت أن خان “أسقط معه مصداقية جهاز المحكمة الجنائية الدولية بأكمله”.
وفي المقابل، حرصت رئاسة المحكمة الجنائية الدولية في بيانها على الدفاع عن المؤسسة، مؤكدة أن قيادة المحكمة لا تزال ملتزمة بإجراءات مستقلة ومحايدة، وبالاعتراف بضحايا الفظائع الجماعية وجبر ضررهم، وباحترام كرامة وحقوق وتطلعات العاملين داخل المحكمة.
كما شدد البيان، وفق ما أوردته فوكس نيوز، على أن المحكمة الجنائية الدولية تمثل “واحداً من أهم إنجازات الحضارة الإنسانية”، وأن عليها واجب حماية حسن سير عمل المحكمة ككل وسمعتها، وضمان نزاهة الإجراءات القضائية، واحترام حقوق الضحايا والمشتبه بهم، وصون رفاه موظفيها.
ولم توضح المحكمة الجنائية الدولية ما إذا كان تعليق مهام كريم خان سيؤثر على القضايا المرتبطة بنتنياهو وغالانت أو على مذكرات الاعتقال الصادرة بحقهما. ومع انتقال الملف إلى جمعية الدول الأطراف، تبدو المحكمة أمام اختبار مزدوج: معالجة أزمة داخلية تمس أعلى منصب ادعاء فيها، والحفاظ في الوقت نفسه على شرعية ملفاتها القضائية الأكثر حساسية على الساحة الدولية.
اقرأ المزيد
تعليق عمل كريم خان “بأثر فوري” بتهمة سوء السلوك.. ودفاعه يتهم القوى السياسية بتجاهل براءته القضائية!
تصفية حسابات أم تسييس مبرمج؟.. النمسا وأوسلو تفتحان النار على محاولات الإطاحة بـ “كريم خان”!
تعويض بـ 1.5 مليون يورو وعودة للمنصب.. قاضٍ دولي يفجّر مفاجأة ويدافع عن كريم خان

