وطن-في مشهد أعاد إلى الأذهان أسوأ صور العنف العنصري في أوروبا، تحولت بعض أحياء مدينة بلفاست في أيرلندا الشمالية إلى ساحات مطاردة للمهاجرين، بعدما جابت مجموعات ملثمة الشوارع بحثاً عن أشخاص يُعتقد أنهم أجانب. وبينما تأخرت الاستجابة الرسمية، برزت مبادرات شعبية قادتها نساء مهاجرات لإنقاذ عشرات العائلات من خطر مباشر.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، كانت السودانيتان أريج فاره وتواصل محمد في مقدمة الجهود التي ساعدت على إجلاء عائلات مهاجرة من منازلها بعد تعرضها لهجمات وحوادث حرق متعمدة في عدد من أحياء بلفاست.
عائلات محاصرة بين النيران والخوف
بدأت الأحداث عندما تعرض منزلان لعائلتين سودانيتين في منطقة تايغر باي شمالي بلفاست لهجمات نفذتها مجموعات ملثمة. وفي أحد المنزلين، اضطرت أم سودانية للاختباء مع طفليها داخل المنزل بينما كانت النيران تلتهم أجزاء منه، بعدما بدا الخروج إلى الشارع أكثر خطورة من البقاء داخله.
وفي المنزل الآخر، كان أب يحاول حماية طفليه وسط حالة من الفوضى والخوف، بينما احترقت سيارتاهما اللتان كانتا تشكلان جزءاً أساسياً من عمل الأسرة في مجال الترجمة لصالح هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية.
ووفقاً للتقرير، استغرقت الشرطة نحو ساعة للوصول إلى الموقع، ما دفع السكان والمتطوعين إلى الاعتماد على أنفسهم لحماية العائلات المستهدفة.
شبكة إنقاذ أهلية
قبل اندلاع أعمال العنف، كانت أريج فاره وتواصل محمد تعملان ضمن تجمع نسائي محلي يحمل اسم “أناكا”، يضم نساء من خلفيات ثقافية متعددة. ومع تصاعد الهجمات، تحولت هذه الشبكة إلى غرفة عمليات ميدانية لتنسيق عمليات الإجلاء وتأمين المأوى للمتضررين.
واستخدم المتطوعون مجموعات واتساب وقواعد بيانات أُعدت مسبقاً لتحديد الأسر المعرضة للخطر والعائلات القادرة على استضافة النازحين مؤقتاً.
وبحسب “ميدل إيست آي”، تمكنت الشبكة من نقل نحو 200 شخص وعائلة إلى أماكن آمنة خلال أيام قليلة، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة غائبة إلى حد كبير عن المشهد.
من شوارع الخرطوم إلى أحياء بلفاست
لا تُعد تجربة أريج فاره وتواصل محمد الأولى في مواجهة الأزمات. فالمرأتان كانتا ناشطتين سياسياً في السودان خلال سنوات حكم الرئيس السابق عمر البشير.
وشاركت أريج فاره في الاحتجاجات التي سبقت سقوط النظام عام 2019، وتحدثت عن تعرضها للاعتقال والمضايقات الأمنية خلال تلك الفترة، قبل أن تغادر السودان وتستقر في أيرلندا الشمالية.
أما تواصل محمد فوصلت إلى بلفاست عام 2016، لكنها بقيت مرتبطة بقضايا الجالية السودانية والمهاجرين، لتجد نفسها اليوم في مواجهة تحديات مختلفة ولكنها تحمل بعض ملامح التجارب التي عاشتها في وطنها الأم.
الخوف يعود إلى المدينة
تقول أريج فاره إنها شعرت بالأمان خلال سنواتها الأولى في بلفاست، لكن الأحداث الأخيرة غيّرت هذا الشعور بشكل كبير.
وأوضحت أن الهجمات العنصرية التي شهدتها المدينة خلال العامين الماضيين جعلتها أكثر حذراً وخوفاً في حياتها اليومية، مضيفة أن مجرد رؤية مجموعة من الرجال في الشارع بات يثير القلق لديها.
وعلى الرغم من ذلك، تؤكد هي وتواصل محمد أنهما لا تفكران في مغادرة المدينة، معتبرتين أن الاستسلام للخوف يعني منح المتطرفين ما يريدون.
تضامن محلي في مواجهة الكراهية
في المقابل، كشفت الأحداث عن وجه آخر لبلفاست، حيث تحولت كنائس ومراكز مجتمعية إلى ملاجئ مؤقتة للعائلات المتضررة، بينما تطوع سكان محليون لتوفير الطعام والمأوى والدعم النفسي.
وشهدت مراكز الإيواء مشاركة واسعة من متطوعين محليين عملوا على تنظيم المساعدات وتقديم الدعم للعائلات التي فقدت منازلها أو اضطرت إلى مغادرتها بسبب التهديدات.
ويرى ناشطون أن الأزمة لا تتعلق بالمهاجرين بقدر ما ترتبط بمشكلات اجتماعية واقتصادية أعمق، يتم توجيه الغضب الشعبي فيها نحو الفئات الأضعف بدلاً من معالجة الأسباب الحقيقية.
رسالة تحدٍ
على الرغم من المنازل المحترقة والسيارات المدمرة والخوف الذي خيم على كثير من العائلات، تؤكد أريج فاره وتواصل محمد أن الجالية السودانية والمهاجرين لن يغادروا بلفاست بسبب أعمال العنف.
وتختصر أريج موقفها بعبارة واضحة: “لن نترك المدينة للعنصريين”، في رسالة تعكس إصرار كثير من المهاجرين على التمسك بحياتهم الجديدة رغم التحديات المتزايدة.
اقرأ المزيد
بلفاست تشتعل: مهاجران سوريان يخسران متجرهما للمرة الثانية وسط موجة عنف عنصري في أيرلندا الشمالية
بريطانيا: استهداف منزل إمام بزجاجة حارقة والعثور على عبوة مشبوهة قرب مسجد في بولتون

