وطن-حذّرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أن آلاف الفلسطينيين العالقين تحت أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة قد لا يتم التعرف إلى هوياتهم مستقبلاً، في ظل بطء عمليات انتشال الجثامين واتساع حجم الدمار غير المسبوق الذي خلفته الحرب الإسرائيلية على القطاع.
وقالت صحيفة «الغارديان» البريطانية، بحسب ما نقل موقع «ميدل إيست آي»، إن تراكم الجثامين تحت الركام لفترات طويلة يهدد بإضاعة الأدلة الحيوية التي تساعد في التعرف إلى الضحايا، خصوصاً مع استمرار صعوبة الوصول إلى مواقع الدمار وغياب المعدات الثقيلة اللازمة لعمليات البحث والانتشال.
ونقل الموقع عن بات غريفيث، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القدس، قوله للصحيفة البريطانية: «لا شك في أن هذه الجثامين قد تصبح قريباً صعبة التعرف إليها». وأضاف أن تأخر انتشال الرفات البشرية يجعل عملية تحديد الهوية أكثر تعقيداً، موضحاً أن بقاء المتوفين تحت الأنقاض لفترات طويلة يزيد احتمال وصول الجثامين إلى مراحل متقدمة من التحلل، وربما تتحول إلى هياكل عظمية عند العثور عليها في نهاية المطاف.
وبحسب ما أوردته «الغارديان»، فإن خبراء الطب الشرعي يفقدون، مع مرور الوقت، القدرة على الوصول إلى أدلة ظرفية يمكن أن تساعد في تأكيد هوية الضحايا، مثل موقع العثور على الجثمان، والمتعلقات الشخصية، والقرائن المحيطة بمكان الوفاة.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن مرور الوقت يرفع مخاطر فقدان أدلة أساسية لتحديد الهوية، من بينها بصمات الأصابع، وسجلات الأسنان، والملابس أو المتعلقات الشخصية التي قد تكون مرافقة للضحايا. كما أن الظروف البيئية في غزة، مثل الرطوبة ونشاط الحيوانات، قد تمحو مؤشرات مهمة يحتاج إليها خبراء الطب الشرعي لتحديد هوية أصحاب الجثامين.
ومن حهته كشف موقع «ميدل إيست آي» أن قطاع غزة، بعد عامين من الحرب الإسرائيلية، بات مدفوناً تحت نحو 61.5 مليون طن من الأنقاض، وفق بيانات أممية، فيما دُمرت ثلاثة أرباع مباني القطاع، في مشهد يعكس حجم الكارثة العمرانية والإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون.
وأظهرت بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن كمية الركام في غزة تفوق بنحو 20 مرة إجمالي الأنقاض الناتجة عن جميع جولات التصعيد والحروب في القطاع منذ عام 2008، وهو رقم يوضح حجم الدمار الهائل الذي أصاب البنية السكنية والخدمية في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في العالم.
وأضافت الصحيفة أن سكاناً في غزة يخشون من أن تكون الجرافات العسكرية الإسرائيلية، التي تعمل في مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، قد حرّكت جثامين لا تزال مدفونة تحت الأنقاض، ما قد يزيد صعوبة عثور العائلات على أبنائها المفقودين أو التعرف إلى أماكن دفنهم.
ووفق ما أورده «ميدل إيست آي»، فقد قُتل نحو 73 ألف فلسطيني في الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة المحاصر، والتي تواصلت رغم وقف إطلاق النار الساري منذ ديسمبر. ولا تزال حصيلة الضحايا مرشحة للارتفاع في ظل وجود آلاف الجثامين تحت الركام، وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة تعرضت للقصف والتجريف.
وكان الدفاع المدني الفلسطيني قد أعلن في فبراير أن جثامين نحو 8 آلاف شخص لا تزال عالقة تحت الأنقاض في مختلف مناطق قطاع غزة، رغم الجهود الواسعة التي تبذلها فرق الإنقاذ. كما أشار إلى أن أكثر من 3 آلاف آخرين ما زالوا في عداد المفقودين، من دون معرفة ما إذا كانوا أحياء أو قتلى أو محتجزين لدى إسرائيل.
وقالت «الغارديان» إن جهود البحث والانتشال منذ وقف إطلاق النار تواجه عراقيل كبيرة بسبب نقص المعدات الثقيلة، إذ تضطر فرق الإنقاذ إلى استخدام أدوات بدائية مثل المجارف والمعاول والعربات اليدوية، إضافة إلى الحفر بالأيدي، في محاولة للوصول إلى من يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الركام.
وبحسب ما نقلته الصحيفة البريطانية عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن الطلبات المتكررة للسماح بدخول الحفارات والمعدات الثقيلة إلى قطاع غزة قوبلت بالرفض، ما جعل عمليات انتشال الجثامين تسير ببطء شديد مقارنة بحجم الدمار وعدد المفقودين.
وقال بات غريفيث إن فرق البحث والانتشال تحتاج إلى الوصول إلى جميع المواقع التي يُعتقد أن رفاتاً بشرية موجودة فيها. وأضاف: «نعلم أن إدخال الكثير من هذه الآلات والمعدات إلى غزة لا يزال شبه مستحيل في الوقت الحالي. وما زلنا نطالب، ضمن حوارنا المباشر المستمر مع السلطات المعنية، بالسماح بدخول هذه المواد والمعدات إلى القطاع».
وتعكس تحذيرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر جانباً آخر من مأساة غزة المستمرة، إذ لا يقتصر أثر الحرب على أعداد القتلى والدمار الواسع، بل يمتد إلى حق العائلات في معرفة مصير أحبائها ودفنهم بكرامة، في وقت يتحول فيه الركام إلى شاهد ثقيل على واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخ القطاع.
اقرأ المزيد
اقتلاع الزيتون وتجريف الحقول.. الوجه الآخر للحرب في غزة
تحذيرات من تراجع حاد بمساعدات غزة.. وإسرائيل تحيي “النموذج العسكري” المدعوم أمريكياً

