وطن-يثير البند الاقتصادي الأبرز في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، والمتعلق بإنشاء صندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها، أسئلة قانونية وسياسية معقدة قد تجعل تنفيذه شبه مستحيل، حتى في حال مضت واشنطن وطهران نحو اتفاق نهائي.
وقالت شبكة “فوكس نيوز” إن الصندوق المقترح، الوارد ضمن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، قد يواجه عقبات كبيرة بموجب قوانين العقوبات الأمريكية القائمة، خصوصاً أن قطاعات رئيسية قد يستهدفها الاستثمار، وفي مقدمتها قطاع البناء الإيراني، سبق أن صنفته واشنطن باعتباره خاضعاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة لسيطرة الحرس الثوري الإيراني.
ووفقاً لما أوردته “فوكس نيوز”، فإن مذكرة التفاهم التي وُقعت رقمياً، الأربعاء، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، تهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وتتضمن الخطة المكونة من 14 بنداً رفع العقوبات عن إيران، والسماح لطهران بزيادة عائداتها النفطية، واستعادة الوصول إلى أجزاء من النظام المصرفي الدولي، إلى جانب إجراءات اقتصادية أخرى.
لكن البند الخاص بصندوق الاستثمار البالغ 300 مليار دولار يبدو الأكثر حساسية، ليس فقط بسبب حجمه، بل لأنه قد يتعارض مع إطار قانوني أمريكي قائم منذ سنوات. فوزارة الخارجية الأمريكية خلصت رسمياً في عام 2020، ثم جددت هذا التقييم في مايو 2025، إلى أن قطاع البناء في إيران يخضع لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة من الحرس الثوري. وبموجب قانون حرية إيران ومكافحة الانتشار المعروف اختصاراً بـ IFCA، فإن التعامل مع هذا القطاع يفتح الباب أمام مخاطر عقوبات على الشركات والأفراد.
ونقلت “فوكس نيوز” عن مياد مالكي، الزميل البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والمسؤول السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، قوله إن الإشكالات القانونية المرتبطة بالصندوق تتجاوز مجرد التساؤل عما إذا كان الكونغرس مطالباً بالموافقة عليه.
وقال مالكي إن “الكونغرس سيكون أمراً لا مفر منه إذا أريد لهذا الاستثمار أن يكون طويل الأمد وقابلاً للاستمرار”، مضيفاً أنه في حال التوصل إلى اتفاق نهائي، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها سيجدون أنفسهم أمام التزام بمساعدة إيران في إنشاء هذا الصندوق أو تمكينها من الوصول إليه.
وأوضح مالكي، بحسب ما نقلته فوكس نيوز ديجيتال، أن الرئيس الأمريكي يمتلك صلاحيات تنفيذية واسعة يمكن أن يبدأ من خلالها تخفيف القيود، مثل إلغاء أو تعديل أوامر تنفيذية، وتوجيه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لإصدار تراخيص عامة، إضافة إلى تعليق بعض العقوبات التي أقرها الكونغرس.
غير أن المشكلة، وفق مالكي، تكمن في أن هذه الإجراءات لا تمنح الصندوق صلابة قانونية كافية لجذب مستثمرين كبار. فالصندوق قد يُفعّل نظرياً عبر خطة تنفيذية من البيت الأبيض، لكنه سيبقى قائماً على إعفاءات مؤقتة ينبغي تجديدها كل 180 يوماً، خصوصاً بالنسبة للعقوبات الإلزامية المرتبطة بقطاع البناء الإيراني.
وأضاف المسؤول السابق في وزارة الخزانة أن المستثمرين الجادين، ولا سيما في مشاريع البنية التحتية والبناء التي تحتاج سنوات للتنفيذ، لن ينجذبوا إلى بيئة قانونية تعتمد على إعفاءات قصيرة الأجل. وقال إن “مشاريع البناء ليست مشاريع مدتها 180 يوماً”، مشيراً إلى أن أي شركة استثمارية ستتردد في ضخ أموال ضخمة في مشروع يمكن أن ينهار قانونياً عند أول منعطف سياسي أو عند عدم تجديد الإعفاءات.
وبحسب “فوكس نيوز”، تتضاعف المخاوف في الحالة الإيرانية تحديداً، بسبب تداخل العقوبات مع المخاطر السياسية وغياب الثقة في الشريك الإيراني. ولفت مالكي إلى أن المستثمرين سيواجهون بيئة يمكن أن “تنفجر في أي لحظة”، ما يجعل الاعتماد على إعفاءات مؤقتة مخاطرة لا تقبلها عادة المؤسسات الاستثمارية الكبرى.
وتثير هذه البنية الهشة سؤالاً أوسع حول ما إذا كان المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون يراهنون فعلاً على تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي قابل للتنفيذ. وقال مالكي إنه كلما تعمق في فقرات العقوبات داخل المذكرة، زاد لديه الشك في أن المفاوضين كانوا يتوقعون بالفعل الوصول إلى اتفاق نهائي مستقر.
ونقلت “فوكس نيوز”، عنه قوله إن صندوق الاستثمار البالغ 300 مليار دولار “ليس شيئاً يمكن تأسيسه بسهولة” إذا أرادت واشنطن الالتزام بما تعهدت به في اتفاق نهائي، مضيفاً أن تحقق هذا الصندوق على أرض الواقع سيكون “قريباً من المستحيل”.
ورجح مالكي أن يكون أحد تفسيرات الموقف الأمريكي هو أن واشنطن ترى دورها محصوراً في تقديم إعفاءات من العقوبات، بينما تترك لإيران والمستثمرين المحتملين مهمة تحويل هذه الإعفاءات إلى مشروع مالي فعلي. وعبّر عن ذلك بقوله: “سنمنحهم الإعفاءات التي يحتاجونها، وإذا لم يتمكنوا من العثور على مستثمرين، فهذه مشكلتهم”.
وأشارت “فوكس نيوز” إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية والبعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة لم تردا فوراً على طلب للتعليق بشأن هذه التساؤلات القانونية والمالية.
ومن المرجح أن يتحول ملف صندوق الاستثمار الإيراني إلى نقطة مواجهة داخل الكونغرس. فالإعفاءات المرتبطة بقانون “IFCA” محدودة بـ180 يوماً وتتطلب تبريراً أمام الكونغرس، ما يعني أن أي إطار استثماري طويل الأمد لصالح إيران قد يفرض على إدارة ترامب الدفاع مراراً عن سبب تعليق عقوبات مرتبطة بقطاع تعتبره واشنطن خاضعاً للحرس الثوري الإيراني.
وتأتي هذه العقبات القانونية في وقت يحذر فيه منتقدو الاتفاق من أنه يمنح إيران مكاسب اقتصادية كبيرة، بينما يرحل الملفات النووية والأمنية الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة. وقال مالكي إن الولايات المتحدة كانت قد بنت مستوى غير مسبوق من النفوذ على إيران من خلال العقوبات والضغط العسكري والحصار، لكنها قد تكون الآن بصدد مقايضة هذا النفوذ بإعادة فتح مضيق هرمز.
ونقلت “فوكس نيوز” عن مالكي قوله إن واشنطن وصلت إلى مرحلة امتلكت فيها أوراق ضغط “لم يمتلكها أي رئيس أمريكي سابق مع إيران”، لكنها تخلت عنها مقابل فتح مضيق هرمز. واعتبر أن طهران ستعود على الأرجح إلى أسلوبها المعتاد في إطالة أمد المفاوضات وكسب الوقت، مستفيدة من حوافز تخفيف العقوبات الواردة في الحزمة.
وأضاف أن النظام الإيراني، في تقديره، لن يتعجل الوصول إلى اتفاق نهائي، بل سيستخدم المسار التفاوضي للحصول على متنفس اقتصادي وسياسي، مع تأجيل القضايا الأكثر حساسية إلى مراحل لاحقة.
وفي السياق نفسه، حذر جون هانا، الزميل البارز في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي والمستشار السابق للأمن القومي لنائب الرئيس الأسبق ديك تشيني، من أن أي مكاسب اقتصادية كبيرة لإيران بموجب مذكرة التفاهم قد تصب في مصلحة الحرس الثوري.
وقال هانا لـ”فوكس نيوز” إن من شبه المؤكد أن الحرس الثوري سيستخدم أي عوائد اقتصادية يوفرها الاتفاق لإعادة بناء أكبر قدر ممكن من قدراته العسكرية التقليدية، وبأسرع وقت، لا سيما ترسانته الواسعة من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي يعتقد الحرس الثوري أنها لعبت دوراً حاسماً في المكاسب الاستراتيجية التي حققها خلال الحرب.
وبينما تسعى مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية إلى إعادة الاستقرار إلى مضيق هرمز وفتح مسار دبلوماسي جديد بين واشنطن وطهران، يبقى صندوق الـ300 مليار دولار اختباراً مبكراً لمدى قابلية الاتفاق للتنفيذ. فبين الوعود الاقتصادية الضخمة، وقوانين العقوبات الأمريكية، ودور الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني، تبدو الطريق إلى اتفاق نهائي أكثر تعقيداً مما توحي به البنود المعلنة.
اقرأ المزيد
اتفاق ترامب مع إيران يثير جدلاً واسعاً في واشنطن.. هل مُنيت الولايات المتحدة بهزيمة استراتيجية؟
14 بنداً أنهت الحرب.. ماذا تخفي مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية؟

