وطن-لطالما اعتُبر البيض والدجاج من أكثر الأطعمة شيوعاً على الموائد حول العالم، كما يُنظر إليهما باعتبارهما مصدرين مهمين للبروتين والعناصر الغذائية الأساسية. لكن خلال السنوات الأخيرة، أثارت دراسات علمية متزايدة تساؤلات حول الآثار الصحية المحتملة للإفراط في استهلاكهما، ما أعاد الجدل بشأن مدى صحة بعض التحذيرات الغذائية التي دعت إلى الحد منهما أو تجنبهما.
ويأتي هذا النقاش في ظل الاهتمام المتجدد بآراء الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، صاحب نظام “الطيبات”، الذي وضع البيض والدجاج ضمن قائمة الأطعمة التي نصح بالابتعاد عنها. وبينما يرى البعض أن الدراسات الحديثة تدعم جزءاً من هذه الرؤية، يؤكد باحثون أن الصورة العلمية لا تزال أكثر تعقيداً من إصدار أحكام قاطعة.
ففي عام 2022، توصلت دراسة صينية إلى وجود ارتباط بين ارتفاع استهلاك البيض وزيادة خطر الوفاة من مختلف الأسباب. وأشارت النتائج إلى أن تناول بيضة إضافية يومياً ارتبط بزيادة هذا الخطر، خاصة لدى النساء، كما رُصد ارتفاع في مخاطر الوفاة المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية لدى الأشخاص الذين تجاوزوا سن الستين.
كما أظهرت دراسة أسترالية واسعة شملت أكثر من 424 ألف شخص وجود علاقة إحصائية بين استهلاك البيض وزيادة خطر الإصابة ببعض أورام الجهاز الهضمي، بما في ذلك ارتفاع خطر سرطان القولون لدى الفئات الأكثر استهلاكاً له.
ويرى بعض الباحثين أن أحد أسباب الجدل حول البيض يعود إلى احتوائه على مستويات مرتفعة نسبياً من الكوليسترول، إضافة إلى مادة الكولين التي قد تتحول داخل الجسم، عبر تفاعلات بكتيريا الأمعاء، إلى مركبات ارتبطت في بعض الدراسات بزيادة مخاطر أمراض القلب. ومع ذلك، يؤكد مختصون أن هذه العلاقة لا تزال محل نقاش علمي ولم تُحسم بشكل نهائي.
أما بالنسبة للدجاج، فقد كشفت دراسة إيطالية استمرت نحو 19 عاماً وشملت آلاف المشاركين عن وجود ارتباط بين استهلاك أكثر من 300 غرام من الدواجن أسبوعياً وارتفاع خطر الوفاة بنسبة 27% مقارنة بالأشخاص الذين يستهلكون كميات أقل.
كما سجلت الدراسة نفسها معدلات أعلى للوفاة المرتبطة بسرطانات الجهاز الهضمي لدى الفئات الأكثر استهلاكاً للدواجن، ما دفع بعض الباحثين إلى المطالبة بإجراء مزيد من الدراسات لفهم طبيعة هذه العلاقة.
وأشارت أبحاث أخرى إلى مخاوف تتعلق بطرق تربية الدواجن الحديثة، بما في ذلك احتمالات تعرضها للجزيئات البلاستيكية الدقيقة أو الاستخدام المكثف للمضادات الحيوية والأعلاف الصناعية، وهي عوامل قد تؤثر في جودة المنتجات الغذائية وسلامتها الصحية على المدى الطويل.
لكن على الرغم من هذه النتائج، يشدد العلماء على نقطة أساسية وهي أن معظم هذه الدراسات تعتمد على الملاحظة الإحصائية، ما يعني أنها ترصد وجود علاقة بين عاملين دون أن تثبت بشكل قاطع أن البيض أو الدجاج هما السبب المباشر للمشكلات الصحية المرصودة.
كما أن العوامل المرتبطة بنمط الحياة، مثل التدخين، وقلة النشاط البدني، والنظام الغذائي العام، والحالة الصحية للمشاركين، قد تلعب دوراً مهماً في تفسير النتائج.
وفي هذا السياق، خلصت مراجعة علمية واسعة شملت أكثر من 500 دراسة إلى أن الأدلة الحالية لا تزال غير كافية لتصنيف الدواجن بشكل نهائي كغذاء صحي أو ضار بصورة مستقلة، نظراً لتعدد العوامل المؤثرة وصعوبة عزل تأثير نوع غذائي واحد عن بقية مكونات النظام الغذائي.
لذلك، وعلى الرغم من أن بعض الدراسات قدمت نتائج قد تبدو مؤيدة للتحذيرات المتعلقة بالبيض والدجاج، فإن المجتمع العلمي لم يصل حتى الآن إلى دليل حاسم يبرر منع استهلاكهما بشكل كامل.
ويبقى الاعتدال في تناول البيض والدجاج، ضمن نظام غذائي متوازن ومتنوع، هو التوصية الأكثر قبولاً بين الهيئات الصحية والباحثين، إلى حين توفر أدلة علمية أكثر وضوحاً بشأن تأثيراتهما الصحية طويلة المدى.
اقرأ المزيد
مصانع الوهم الرقمي.. كيف حوّلت خوارزميات فيسبوك وشركات الإنتاج “نظام الطيبات” إلى تجارة بالمرضى؟
استنفار في مستشفى ابن رشد.. كيف قاد “نظام الطيبات” مرضى مغاربة إلى العناية المركزة؟

