وطن-لم تعد القضية مجرد “نظام غذائي” يروج له مؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى ظاهرة رقمية ضخمة تتداخل فيها الخوارزميات، وصفحات “فيسبوك”، وشركات الإنتاج الإعلامي، مع قصص مرضى انتهى بعضهم في غرف العناية المركزة بعد التخلي عن العلاج الطبي التقليدي لصالح وصفات “الطيبات”.
وخلف المقاطع القصيرة التي حققت ملايين المشاهدات، تكشف شهادات وتحقيقات عن شبكة واسعة من المجموعات الإلكترونية التي أعادت تدوير المحتوى بشكل منظم، وروّجت لفكرة أن الأعشاب والأطعمة الطبيعية قادرة على علاج أمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب، في مواجهة ما يصفه أصحاب هذه المقاطع بـ”مؤامرة شركات الدواء”.
من فيديوهات قصيرة إلى إمبراطورية رقمية
بدأت القصة عبر مقاطع قصيرة على “فيسبوك”، ظهر فيها ضياء العوضي وهو يتحدث بثقة عن “نظام الطيبات”، مقدماً نفسه كصاحب تجربة قادرة على علاج أمراض مزمنة دون الحاجة إلى أدوية أو إنسولين.
وسرعان ما تحولت الفيديوهات إلى حالة جماهيرية واسعة، مدفوعة بتعليقات متكررة من متابعين يؤكدون أنهم “أوقفوا الإنسولين” أو “تعافوا من السكري”، بينما كانت خوارزميات المنصات تدفع بالمحتوى إلى مزيد من الانتشار.
لكن خلف هذا الانتشار، كانت هناك آلة إعلامية كاملة تعمل بصورة احترافية.
أكثر من 12 مليون شخص داخل “جروبات الطيبات”
تشير التحقيقات المتداولة حول الظاهرة إلى وجود أكثر من 350 مجموعة على “فيسبوك” مرتبطة بنظام “الطيبات”، تضم مجتمعة ما يزيد على 12 مليون مستخدم.
ولم يكن النشاط داخل هذه المجموعات عفوياً، بل اعتمد على إعادة تدوير الفيديوهات، نشر الشهادات المؤثرة، وقص المقاطع القصيرة القابلة للانتشار السريع، بما يضمن استمرار التفاعل وتصاعد أعداد المتابعين حتى بعد وفاة ضياء العوضي.
كما شهدت بعض المجموعات نمواً ضخماً في أعداد الأعضاء مباشرة بعد الوفاة، ما أثار تساؤلات حول كيفية إدارة المحتوى وتوجيهه لتحقيق أكبر قدر ممكن من الانتشار.
شركة تدير المحتوى من الخلف
الأخطر في القضية أن التحقيقات تحدثت عن دور شركة إنتاج إعلامي متخصصة في إدارة المحتوى المرتبط بـ”الطيبات”.
وبحسب شهادات متداولة، تولت الشركة تنسيق البثوث المباشرة، وإعادة نشر الفيديوهات عبر عشرات الصفحات والحسابات، إضافة إلى إدارة الظهور الإعلامي لزوجة ضياء العوضي بعد وفاته.
كما أشارت المعلومات إلى أن الشركة كانت تعتمد على تقنيات التسويق الرقمي والخوارزميات لرفع نسب الوصول، عبر استهداف الفئات الأكثر بحثاً عن حلول صحية سريعة، خصوصاً مرضى الأمراض المزمنة واليائسين من العلاجات التقليدية.
ويقول موظف سابق، وفق ما ورد في التحقيق، إن “كل بث مباشر كان يتم التحضير له مسبقاً، وكل مقطع كان يعاد نشره بعشرات الحسابات لضمان وصوله لأكبر عدد ممكن”.
مرضى أوقفوا العلاج وانتهوا في العناية المركزة
بعيداً عن أرقام المشاهدات والتفاعل، تكشف القصص الإنسانية الوجه الأخطر للظاهرة.
من حهته اقتنع رمضان حسن، وهو رجل ستيني مريض بالسكري، بعد مشاهدة فيديوهات “الطيبات” بأن النظام الغذائي قادر على علاجه بشكل كامل.
وبحسب روايات متداولة، أوقف الرجل الإنسولين وأدوية القلب والضغط خلال أيام قليلة، قبل أن يدخل في غيبوبة سكر حادة كادت تنهي حياته.
وفي حالة أخرى، تعرض شخص يدعى فرج أنور لانهيار مفاجئ داخل منزله بعد التخلي عن علاجه الطبي، لينتهي به الأمر في قسم الطوارئ بين الحياة والموت.
وتشير شهادات أخرى إلى وجود حالات مشابهة لمرضى انساقوا وراء الوعود المنتشرة على المنصات الرقمية، معتقدين أن “الطيبات” بديل كامل عن الطب الحديث.
“الخوارزميات” تدفع المحتوى والضحايا
يرى مراقبون أن ما حدث يعكس وجهاً جديداً لاقتصاد المنصات الرقمية، حيث تتحول المعاناة الإنسانية إلى مادة مربحة.
فكلما زادت المشاهدات والتفاعل، ارتفعت الأرباح الناتجة عن الإعلانات والبثوث والرعايات، بينما تدفع الخوارزميات بالمحتوى المثير للجدل إلى مزيد من الانتشار، خصوصاً عندما يعتمد على الخوف أو نظرية المؤامرة أو قصص “الشفاء المعجزة”.
وفي حالة “الطيبات”، استُخدمت رسائل من نوع:
- “الأطباء كذبوا عليكم”
- “شركات الدواء تخفي العلاج الحقيقي”
- “الإنسولين مجرد تجارة”
وهي رسائل ساهمت في تعزيز الشك لدى بعض المرضى تجاه العلاج الطبي التقليدي.
تجارة بالخوف والمرض
يرى خبراء في الإعلام الرقمي أن القضية تتجاوز مجرد محتوى صحي مضلل، لتصل إلى نموذج متكامل للتربح من الخوف والمرض.
فالمحتوى العاطفي، خصوصاً المرتبط بالأمل في الشفاء، يُعد من أكثر أنواع المحتوى القادرة على تحقيق انتشار واسع، ما يجعله هدفاً مثالياً لصفحات تسعى إلى زيادة المتابعين وتحقيق الأرباح.
لكن المشكلة أن الضحية هنا ليست مجرد “مشاهد”، بل مريض قد يتخذ قرارات صحية خطيرة بناءً على فيديو قصير أو شهادة غير موثقة.
من يحاسب “مصانع الوهم”؟
تفتح قضية “الطيبات” أسئلة كبيرة حول مسؤولية المنصات الرقمية، ودور شركات الإنتاج، وحدود حرية المحتوى الصحي على الإنترنت.
ففي الوقت الذي تستمر فيه الفيديوهات في تحقيق ملايين المشاهدات، تتزايد المخاوف من سقوط ضحايا جدد يقتنعون بأن بإمكانهم التخلي عن العلاج الطبي مقابل وصفات غير مثبتة علمياً.
وبين خوارزميات تسعى إلى التفاعل، وصفحات تبحث عن الربح، يبقى السؤال الأخطر: من يوقف مصانع الوهم قبل أن تبتلع مزيداً من المرضى؟
اقرأ المزيد
استنفار في مستشفى ابن رشد.. كيف قاد “نظام الطيبات” مرضى مغاربة إلى العناية المركزة؟

