وطن-في خطوة أثارت غضباً فلسطينياً واسعاً، أصدرت السلطات الإسرائيلية قراراً بمصادرة أراضٍ تضم مقام النبي صموئيل، أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في الضفة الغربية المحتلة، وسط اتهامات بأن إسرائيل تستخدم الآثار والروايات الدينية لتوسيع سيطرتها على الأرض الفلسطينية وإعادة تشكيل الهوية التاريخية للمنطقة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، أعلنت ما تُعرف بـ«الإدارة المدنية» الإسرائيلية، التابعة لوزارة الدفاع، مصادرة نحو 28 فداناً من الأراضي الواقعة بين بلدتي بيت إكسا والنبي صموئيل شمال غرب القدس.
وتشمل الأراضي المصادرة الموقع الذي يضم مسجد النبي صموئيل التاريخي، الخاضع لإدارة الأوقاف الإسلامية، والذي يحظى بمكانة دينية خاصة لدى المسلمين، إلى جانب أهميته في التقاليد اليهودية والمسيحية.
«المنفعة العامة» أم التهويد؟
بررت السلطات الإسرائيلية القرار بأنه يأتي ضمن مشروع يهدف إلى «الحفاظ على الموقع الأثري لقبر النبي صموئيل» وتطويره «للمنفعة العامة».
لكن الفلسطينيين يرون أن هذه التبريرات تخفي سياسة أوسع تُعرف بـ«التهويد»، تقوم على استخدام الآثار والروايات الدينية لتبرير السيطرة على الأراضي الفلسطينية وربطها بالسردية الإسرائيلية.
ويقول مراقبون إن ما يحدث في النبي صموئيل ليس مجرد مشروع أثري أو سياحي، بل خطوة سياسية تهدف إلى فرض سيادة إسرائيلية تدريجية على المنطقة ومحيطها.
موقع ديني وتاريخي حساس
يقع مقام النبي صموئيل على تلة استراتيجية ترتفع نحو 885 متراً فوق سطح البحر، وتبعد حوالي 6 كيلومترات شمال غرب القدس، ما جعله يحظى بأهمية دينية وجغرافية منذ قرون.
ويعود الاهتمام بالموقع إلى العهد البيزنطي، عندما بُنيت كنيسة في المكان الذي كان يُعتقد أنه يضم قبر النبي صموئيل.
وخلال الحقبة الصليبية، أُطلق على الموقع اسم «جبل الفرح»، لأنه كان أول نقطة يشاهد منها الصليبيون مدينة القدس أثناء تقدمهم نحوها.
أما في الفترات الإسلامية اللاحقة، فقد شُيدت منشآت إسلامية في الموقع، بينما يحمل المسجد القائم حالياً معالم معمارية تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي.
ويضم المسجد مقاماً يعتقد المسلمون أنه يحتوي على قبر النبي صموئيل، ما يمنحه أهمية دينية خاصة ضمن المشهد الإسلامي التاريخي المحيط بالقدس.
تراجع دور الأوقاف الإسلامية
وقال خليل التفكجي، الخبير في شؤون الخرائط والاستيطان، إن الأراضي المصادرة تعود لعائلة العلمي، وهي أراضٍ مصنفة كأوقاف إسلامية.
وأوضح أن إسرائيل بدأت منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 بفرض تغييرات تدريجية على الموقع، شملت إنشاء كنيس يهودي في أجزاء منه وفرض قيود على وصول الفلسطينيين.
وبمرور الوقت، تقلصت مساحة الصلاة المخصصة للمسلمين، فيما انتقلت إدارة أجزاء واسعة من الموقع فعلياً إلى السلطات الإسرائيلية.
ووصف التفكجي القرار الأخير بأنه «ضم فعلي» للموقع، مشيراً إلى أن إسرائيل حولت المنطقة عام 1995 إلى محمية طبيعية، قبل أن تبدأ عمليات تنقيب وتوسيع للبنية التحتية.
وأضاف أن ما يحدث اليوم يمثل استمراراً لسياسة «الضم التدريجي» التي تعتمدها إسرائيل عبر السيطرة أولاً على المواقع الأثرية ثم فرض السيطرة الإدارية والأمنية الكاملة عليها.
الآثار كسلاح سياسي
من جانبه، قال عمر رجب، مدير مكتب الإعلام في محافظة القدس، إن الحفريات الإسرائيلية التي بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي لم تقدم أي دليل يدعم الرواية اليهودية التي تروج لها إسرائيل حول الموقع.
وأضاف أن أعمال التنقيب كشفت في المقابل عن معالم وآثار إسلامية واضحة، أبرزها المسجد التاريخي نفسه.
واتهم رجب السلطات الإسرائيلية باستخدام «علم الآثار» كأداة سياسية لفرض رواية واحدة حول المكان، مع تجاهل كامل للتاريخ الإسلامي والفلسطيني.
وأشار إلى أن اللوحات الإرشادية داخل الموقع تعرض الرواية اليهودية فقط، بينما يجري تهميش الرواية الإسلامية والفلسطينية بشكل متعمد.
نموذج يتكرر في الضفة الغربية
ويرى فلسطينيون أن ما يحدث في النبي صموئيل يشبه ما جرى في مناطق أخرى، مثل بلدة سلوان في القدس المحتلة، حيث استُخدمت الحفريات الأثرية والروايات التوراتية لتوسيع السيطرة الإسرائيلية وتهجير السكان الفلسطينيين.
كما تأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة مشاريع إسرائيلية تستهدف مواقع دينية وأثرية في الضفة الغربية.
ففي الأشهر الماضية، صادرت إسرائيل مئات الدونمات قرب الموقع الأثري في سبسطية شمال الضفة، كما جرى تقليص صلاحيات الفلسطينيين في إدارة الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل.
مشروع أوسع للسيطرة على المواقع الدينية
وتناقش الكنيست الإسرائيلية حالياً مشروع قانون لإنشاء هيئة تراث جديدة تتولى إدارة المواقع الأثرية في الضفة الغربية بدلاً من الإدارة المدنية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة قد تمنح إسرائيل أدوات أوسع للسيطرة على المواقع الدينية والتاريخية الفلسطينية وتحويلها تدريجياً إلى مواقع خاضعة بالكامل للرواية الإسرائيلية.
وفي السياق نفسه، أثار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش جدلاً واسعاً بعد تصريحات دعا فيها إلى السيطرة على مواقع تاريخية فلسطينية، بينها برك سليمان في الضفة الغربية.
كما يتوقع خبراء أن يكون مقام يوسف في نابلس من بين المواقع المرشحة لخطوات إسرائيلية مشابهة خلال المرحلة المقبلة.
معركة على الأرض والذاكرة
يؤكد الفلسطينيون أن قضية مقام النبي صموئيل لا تتعلق فقط بمصادرة أراضٍ أو مشروع تطوير أثري، بل تمثل جزءاً من صراع أوسع على الهوية والرواية التاريخية في القدس والضفة الغربية.
ويرى مراقبون أن إسرائيل تسعى، عبر السيطرة على المواقع الدينية والأثرية، إلى إعادة تشكيل المشهد الجغرافي والرمزي في الأراضي المحتلة، وربط المستوطنات المحيطة بالقدس ضمن حزام استيطاني متصل.
وفي ظل هذه التطورات، يتحول مقام النبي صموئيل إلى عنوان جديد لمعركة مفتوحة بين الفلسطينيين وإسرائيل؛ معركة لا تدور فقط حول الأرض، بل أيضاً حول التاريخ والذاكرة والهوية.
اقرأ أيضاً
على أنقاض “الأونروا” في الشيخ جراح.. كيف حوّل الاحتلال مقراً أممياً إلى ثكنة عسكرية لوزير الدفاع؟
أمر مصادرة تاريخي.. كيف تُخطط حكومة الاحتلال لانتزاع عقارات “باب السلسلة” ومحيط الأقصى؟
تهجير حي البستان: كيف تستخدم إسرائيل “الحدائق التوراتية” لمحو الوجود الفلسطيني في سلوان؟

