وطن-في واحدة من أكثر صور الاعتقال قسوة داخل الضفة الغربية المحتلة، تحوّل اقتحام ليلي لمنزل عائلة فلسطينية إلى بداية معاناة مفتوحة، بعدما اعتقلت القوات الإسرائيلية امرأة حاملًا وتركت طفليها الصغيرين أمام أسئلة لا تنتهي عن غياب والدتهما.
قال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، في تقرير من رام الله، إن عائلات ثلاث أسيرات فلسطينيات حوامل لدى إسرائيل حذّرت من أن الاكتظاظ الشديد، وسوء الطعام، وغياب الرعاية الطبية الكافية داخل السجون الإسرائيلية، باتت عوامل تهدد حياة النساء وأجنتهن بشكل مباشر.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن القوات الإسرائيلية اقتحمت منزل مصعب زلوم في الضفة الغربية المحتلة، ليلة 30 أبريل، بينما كان نائمًا إلى جانب زوجته منار كراجة وطفليهما. وخلال الاقتحام، فصل الجنود زلوم عن أسرته، قبل أن يقيّدوه ويقتادوه إلى مركبة عسكرية، دون أن يعرف في البداية سبب المداهمة.
لم يدرك الأب الفلسطيني حقيقة ما يجري إلا عندما أبلغه أحد الجنود بأن زوجته، منار كراجة البالغة من العمر 28 عامًا، وهي حامل بطفلهما الثالث، سيتم اعتقالها. وروى زلوم لـ”ميدل إيست آي” أن طفليه، أيمن البالغ خمس سنوات، وليلى البالغة أربع سنوات، كانا نائمين ولم يستيقظا على أصوات الجنود، لكنه عندما عاد إلى المنزل مكبل اليدين وجدهما يبكيان بشدة ويسألان عن والدتهما.
وقال زلوم إنه حاول في البداية تهدئة الطفلين، فأخبرهما بأن “لصوصًا اقتحموا المنزل” وأن العائلة اضطرت إلى مواجهتهم، ثم وعدهما بأن والدتهما ستعود في الصباح. لكن الصباح جاء دون أن تعود منار، فاضطر إلى إخبارهما بالحقيقة: الجيش الإسرائيلي اعتقل والدتهما.
ومنذ تلك الليلة، يعيش زلوم وحيدًا مع طفليه، محاولًا تعويض غياب الأم واحتواء صدمة الصغيرين، لكن قلقه الأكبر، كما نقلت الصحيفة، يبقى على زوجته الحامل وجنينها في ظل ظروف الاعتقال القاسية داخل سجن الدامون.
وأوضح نادي الأسير الفلسطيني، الاثنين، أن ثلاث أسيرات فلسطينيات حوامل محتجزات لدى إسرائيل يعشن في ظروف وصفها بـ”القاسية والمهينة” داخل سجن الدامون، وهن: أمينة الطويل، دانا جودة، ومنار كراجة. وأشار النادي إلى أن هؤلاء الأسيرات ضمن 93 أسيرة فلسطينية تقبعن حاليًا في السجون الإسرائيلية.
وأضاف النادي، وفق ما نقل “ميدل إيست آي”، أن عائلات الأسيرات، وكذلك مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مُنعوا منذ أكتوبر 2023 من زيارة الأسيرات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية، ما زاد من عزلتهن وعمّق مخاوف ذويهن بشأن أوضاعهن الصحية والنفسية.
وقال نادي الأسير في بيان إن أوضاع الأسيرات تدهورت بشكل حاد خلال الأشهر الأخيرة، متهمًا إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية بفرض إجراءات عقابية متصاعدة. وذكر أن بعض الأسيرات الحوامل خضعن لتحقيقات قاسية واحتُجزن في زنازين تفتقر إلى أبسط المعايير الصحية، الأمر الذي فاقم معاناتهن الجسدية والنفسية، وتسبب في فقدان الوزن والهزال والإرهاق الشديد.
وكشف النادي أيضًا أن الأسيرات الفلسطينيات، بمن فيهن الحوامل، تعرضن للتفتيش العاري، في ممارسات يصفها حقوقيون فلسطينيون بأنها جزء من سياسة إذلال ممنهجة داخل السجون الإسرائيلية.
وقبل يوم واحد فقط من اعتقالها، علمت منار كراجة بأنها حامل في شهرها الثاني. كانت هي وزوجها، كما يقول زلوم، غارقين في فرحة الخبر، وبدآ يفكران في أسماء محتملة للطفل القادم، قبل أن تنقلب تلك اللحظة العائلية إلى كابوس طويل.
وقال زلوم لـ”ميدل إيست آي” إن العائلة ممنوعة من زيارتها، وإن التواصل معها لا يتم إلا عبر محامين متطوعين يزورونها كل بضعة أسابيع وينقلون أخبارها. وأضاف أن ظروف السجن “مزرية”، وأن كمية الطعام المقدمة لا تكفي حتى للأسير العادي، “فكيف بامرأة حامل تحتاج إلى غذاء ورعاية خاصة”.
وبحسب الرسائل التي وصلت إلى عائلة كراجة عبر محاميها، فإنها تنام على الأرض منذ اعتقالها بسبب الاكتظاظ داخل سجن الدامون، وتعاني آلامًا مستمرة في أنحاء جسدها. وتقول إسرائيل إن اعتقالها جاء للاشتباه بـ”التحريض” عبر منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تهمة فضفاضة تقول منظمات حقوقية إنها تُستخدم كثيرًا ضد الأسيرات الفلسطينيات. ولا تزال كراجة محتجزة بانتظار محاكمتها.
وفي حالة أخرى، اعتقلت القوات الإسرائيلية دانا جودة، البالغة 35 عامًا، من مدينة نابلس، في 18 أبريل، وهي الآن حامل في شهرها الخامس. وتقول عائلتها إن وضعها الصحي سيئ، خصوصًا أنها خضعت قبل أشهر قليلة من اعتقالها لعملية تكميم معدة، ولم تكن قد علمت بحملها إلا قبل فترة قصيرة من اقتحام منزلها واعتقالها.
وقالت والدة دانا، بحسب ما نقلت الصحيفة، إن ابنتها لم تحصل على فرصة للاحتفال بخبر حملها، إذ داهم الجنود منزلها واعتقلوها قبل أن تستوعب العائلة الحدث. وفي بداية اعتقالها، نُقلت دانا إلى مركز توقيف هشارون، الذي تصفه مؤسسات حقوقية فلسطينية بأنه من المراكز سيئة السمعة، حيث تتعرض الأسيرات فيه، وفق روايات متكررة، لتفتيشات مهينة ويُحرمن من أبسط الاحتياجات، بما في ذلك الفرش والطعام الكافي.
وخلال فترة احتجازها، تعرضت دانا جودة لحالات إغماء وجفاف، لكن سلطات السجن لم توفر لها الرعاية الطبية المناسبة، رغم حملها وحداثة خضوعها لعملية جراحية، وفق ما تؤكده عائلتها.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن والدة دانا قولها إن ابنتها أبلغت محاميها بأن الأسيرات ينمن على الأرض داخل زنازين مكتظة وباردة. وأضافت أن بعض الأسيرات الحوامل يحاولن مساعدة بعضهن من خلال تقاسم الخبز والطعام، رغم أن الحصص الغذائية قليلة أصلًا ونوعية الوجبات رديئة.
وتقول عائلة دانا إنها تعيش قلقًا دائمًا على صحتها وصحة جنينها، خصوصًا مع تجاهل طلبات إخضاعها لفحوص طبية منتظمة، في وقت يفترض فيه أن تخضع المرأة الحامل، لا سيما بعد عملية جراحية في الجهاز الهضمي، لمتابعة دقيقة ونظام غذائي خاص.
وفي قلق مشابه، يعيش علي شواهنة في قلقيلية حالة ترقب يومية على زوجته أمينة الطويل، البالغة 37 عامًا، وهي أم لأربعة أطفال وحامل الآن في شهرها الرابع. واعتُقلت الطويل في 18 مارس بتهمة “التحريض”، ولا تزال محتجزة بانتظار المحاكمة.
وقال شواهنة إن اعتقال زوجته كان صادمًا للعائلة، خصوصًا أنه هو من اعتاد الاعتقال على مدار سنوات طويلة، إذ أمضى ما مجموعه 19 عامًا داخل السجون الإسرائيلية. أما الآن، فقد وجد نفسه مسؤولًا وحده عن رعاية أربعة أطفال يفتقدون والدتهم بشدة.
وروى شواهنة لـ”ميدل إيست آي” أنه في يوم الاعتقال قال للضابط الإسرائيلي: “خذني بدلًا منها”، لكن الضابط أجابه: “هذه المرة لسنا نريدك أنت، بل زوجتك”. وأضاف أن الجنود قيّدوا أمينة واقتادوها بعيدًا، بينما كان هو واقفًا في حالة صدمة، والأطفال يبكون أمامه.
ويأمل شواهنة أن تُفرج السلطات الإسرائيلية عن زوجته، حتى لو بشروط مقيدة مثل الحبس المنزلي، كي تعود إلى أطفالها وتتابع حملها خارج السجن. وقال إن أمينة تعاني عادة في الأشهر الأولى من الحمل وتحتاج إلى رعاية مكثفة، وهي رعاية غير متوفرة داخل السجن. وأضاف أنه خلال اعتقاله الأخير فقد أكثر من 60 كيلوغرامًا بسبب رداءة الطعام وقلته، متسائلًا: “كيف يمكن لامرأة حامل أن تتحمل ذلك؟”.
من جانبه، قال حلمي الأعرج، مدير مركز حريات للدفاع عن الحريات والحقوق المدنية، إن إسرائيل “تتجاوز كل الخطوط الحمراء” في تعاملها مع الأسيرات الفلسطينيات، من خلال إهمال أوضاعهن الصحية، وتنفيذ اقتحامات متكررة لأقسام السجون، وانتهاك خصوصيتهن.
وأضاف الأعرج، في حديثه لـ”ميدل إيست آي”، أن الأسرى والأسيرات يواجهون “عقابًا جماعيًا، وإساءة، وتعذيبًا، وتجويعًا، وعزلًا، وحرمانًا من الزيارات العائلية”، مشيرًا إلى أن هذه السياسات تنعكس بشكل خطير على الحالة النفسية للأسيرات، خصوصًا الأمهات والنساء الحوامل.
وأوضح أن هذه السياسة الإسرائيلية لم تبدأ بعد السابع من أكتوبر، لكنها منذ ذلك التاريخ تحولت إلى نهج أكثر رسوخًا قائمًا على انتهاكات جسيمة لحقوق الأسرى، وفق تعبيره.
وبحسب هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، يوجد حاليًا أكثر من 9300 فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم 93 امرأة وأكثر من 350 طفلًا. وتقول الهيئة إن أكثر من 765 امرأة وفتاة اعتُقلن منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة.
وتشير الهيئة، كما أوردت الصحيفة، إلى أن ما يقرب من نصف الأسرى الفلسطينيين محتجزون دون تهمة أو محاكمة، بموجب أوامر اعتقال إداري يمكن تجديدها إلى أجل غير مسمى، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للانتقادات الحقوقية في ملف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية.
قد يعجبك
قرار محمود عباس بوقف رواتب الأسرى يثير غضب الفلسطينيين ويُشعل الجدل حول الحقوق الوطنية
برداء طبيب وزنزانة “مقاتل غير قانوني”.. كيف يواجه حسام أبو صفية التصفية الجسدية في سجن نفحة؟
زنازين “الدامون” تبتلع زهرات جامعة بيرزيت.. في الفجر إسرائيل تعتقل الطالبات والرياضيات بلا تهمة!

