وطن-حذّرت لجنة برلمانية بريطانية من أن الصلاحيات التي تتيح للحكومة إسقاط الجنسية البريطانية عن بعض المواطنين قد تكون عرضة لـ«سوء الاستخدام والتعسف»، في ظل مخاوف متزايدة من أن السياسة الحالية تؤثر بصورة غير متكافئة على البريطانيين المنحدرين من أصول مهاجرة، وقد تتوسع مستقبلاً بيد حكومات لاحقة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن لجنة العدل والشؤون الداخلية في مجلس اللوردات، المعنية بقضايا الاستقرار والجنسية وسحبها، نشرت تقريراً جديداً الثلاثاء، أقرت فيه بالحاجة إلى أوامر إسقاط الجنسية في الحالات الأشد خطورة، لكنها عبّرت في الوقت نفسه عن قلق واضح من غموض الاختبار القانوني المستخدم لتجريد المواطنين من جنسيتهم.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود تملك، بموجب القوانين الحالية، صلاحية سحب الجنسية من أي مواطن بريطاني إذا رأت الحكومة أنه مؤهل للحصول على جنسية دولة أخرى، حتى لو لم يعش ذلك الشخص في تلك الدولة مطلقاً، أو لم تكن تربطه بها أي علاقة فعلية أو شعور بالانتماء.
وجاء في تقرير اللجنة أن «أوامر إسقاط الجنسية قد تكون ضرورية ومفيدة للتعامل مع أخطر الحالات»، لكنه أضاف أن شرط «الصالح العام» المستخدم لتبرير سحب الجنسية «فضفاض للغاية»، بما يجعله قابلاً في المستقبل لـ«إساءة الاستخدام والتعسف».
وتركز التحذيرات على الصلاحيات التي تسمح لوزير الداخلية بإلغاء الجنسية البريطانية عندما يُعد ذلك «مساعداً على تحقيق الصالح العام»، وهو معيار يقول منتقدوه إنه يمنح الوزراء مساحة واسعة من التقدير، ويترك القرار مفتوحاً لتفسير من يتولى حقيبة الداخلية في أي حكومة.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن اللجنة لم تطالب بإلغاء صلاحيات إسقاط الجنسية بشكل كامل، لكنها رأت أن المعيار القانوني الحالي غير محدد بما يكفي، وقد يسمح بتجاوزات حكومية في المستقبل. ولذلك أوصت باستبدال اختبار «الصالح العام» بمعيار أكثر ضيقاً ووضوحاً، يرتبط بسلوك «يلحق ضرراً بالغاً بالمصالح الحيوية» للمملكة المتحدة وأقاليمها فيما وراء البحار.
وتعد قضية إسقاط الجنسية البريطانية من أكثر الملفات حساسية في بريطانيا خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد قضية شاميما بيغوم، التي جُردت من جنسيتها عام 2019 بعد مغادرتها بريطانيا وهي تلميذة إلى سوريا وانضمامها إلى تنظيم «داعش».
ووفقاً لما ذكرته الصحيفة، بررت وزارة الداخلية البريطانية حينها قرارها بسحب جنسية بيغوم بالقول إنها مؤهلة للحصول على الجنسية البنغلاديشية بسبب أصول والديها، رغم أن القضية أثارت جدلاً واسعاً حول ما إذا كان بعض البريطانيين أكثر عرضة من غيرهم لفقدان الجنسية، ولا سيما من يملكون حقاً نظرياً في جنسية أخرى عبر الوالدين أو الأجداد.
وأعادت القضية فتح نقاش عميق حول مفهوم المواطنة في بريطانيا، وما إذا كانت الجنسية البريطانية توفر الحماية نفسها لجميع المواطنين، أم أن هناك فئة من البريطانيين، خصوصاً المنحدرين من خلفيات مهاجرة، تعيش تحت تهديد قانوني أكبر بسبب إمكانية نسبهم إلى دولة أخرى.
وقالت “ميدل إيست آي” إن التحذير البرلماني يأتي بعد تنبيهات أطلقتها منظمات خيرية وحقوقية عديدة، قالت إن ملايين المسلمين البريطانيين قد يكونون عرضة لفقدان جنسيتهم بموجب القواعد الحالية الخاصة بسحب الجنسية.
ويرى ناشطون وخبراء قانونيون أن هذه السياسة ترسخ نظاماً من مستويين للمواطنة، حيث يتمتع بعض البريطانيين بحماية أقوى من غيرهم، بينما يصبح آخرون أكثر هشاشة أمام قرارات وزارة الداخلية بسبب أصولهم العائلية أو خلفياتهم العرقية.
ونقلت الصحيفة عن منظمة «رايتس آند سيكيوريتي إنترناشونال» الحقوقية، ومقرها لندن، دعوتها إلى إعادة فحص هذه الصلاحيات من أساسها، ووصفتها بأنها من بين «الأكثر فظاعة في العالم الديمقراطي».
وقال متحدث باسم المنظمة لـ«ميدل إيست آي» إن «الصلاحيات الواسعة إلى هذا الحد خطيرة أياً كانت الجهة التي تمسك بها»، مضيفاً أنه يجب حماية «قدسية الجنسية» من أي حكومة حالية أو مستقبلية قد تلغي الحقوق التي يمنحها الانتماء إلى المملكة المتحدة.
وأضاف المتحدث أن هذه الصلاحيات «ينبغي إعادة النظر فيها من البداية، ومواءمتها مع التزامات حقوق الإنسان»، مشيراً إلى أن بريطانيا تكاد تكون منفردة في سهولة تجريد الأفراد من حقهم في أن يكونوا مواطنين في البلد الذي قيل لهم إنهم ينتمون إليه.
وبحسب الصحيفة، أعربت المنظمة الحقوقية عن أملها في أن تدفع توصيات اللجنة البرلمانية الحكومة البريطانية إلى التحرك «قبل فوات الأوان»، في ظل اتساع القلق من تداعيات إسقاط الجنسية على الجاليات المسلمة والمهاجرة.
وكانت منظمتا «ريبريف» و«رونيميد ترست» قد خلصتا في تقرير سابق العام الماضي إلى أن نحو 9 ملايين شخص في المملكة المتحدة، أي ما يعادل قرابة 13% من السكان، يمكن قانونياً تجريدهم من جنسيتهم البريطانية وفقاً لتقدير وزير الداخلية.
وتحذر منظمات حقوقية من أن هذه الصلاحيات تؤثر بشكل غير متناسب على مواطنين بريطانيين تعود أصولهم إلى جنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، بما يجعلهم أكثر عرضة للخطر مقارنة بغيرهم من المواطنين الذين لا يحملون ارتباطاً قانونياً أو عائلياً بدولة أخرى.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن منظمتي «ريبريف» و«رونيميد ترست» تعتبران أن نظام سحب الجنسية بات يمثل تهديداً منهجياً للمجتمعات المسلمة في بريطانيا، في مشهد يذكّر، بحسب المنظمتين، بالتمييز الذي تعرض له بريطانيون من أصول كاريبية في فضيحة «ويندراش»، حين واجه أشخاص عاشوا في المملكة المتحدة لعقود صعوبات قانونية وإدارية تتعلق بوضعهم وحقوقهم.
ويضع تقرير اللجنة البرلمانية الحكومة البريطانية أمام اختبار جديد في ملف الجنسية وحقوق المواطنة، إذ لا يقتصر الجدل على مكافحة التهديدات الأمنية الخطيرة، بل يمتد إلى حدود سلطة الدولة في تجريد مواطنيها من الانتماء القانوني، وما إذا كانت القوانين الحالية توفر ضمانات كافية لمنع التوسع أو التعسف في استخدام هذه السلطة.
اقرأ أيضاً
ديفيد هيرست يحذر: إذا غادر المسلمون بريطانيا.. فاليهود هم الهدف القادم لليمين المتطرف
إعادة محاكمة الناشط الفلسطيني ماجد فريمان في بريطانيا بعد تعذر إدانته بقضايا تتعلق بمنشورات عن غزة
تقرير بريطاني: المسلمون في سجون المملكة المتحدة يواجهون عقوبات أشد وتمييزاً خفياً
نساء سودانيات يتصدّين للعنف العنصري في بلفاست.. كيف أنقذن مئات العائلات من هجمات الملثمين؟

