وطن-قد يبدو نسيان الأسماء، أو البحث المتكرر عن المفاتيح، أو صعوبة تذكر أحداث اليوم السابق، جزءاً طبيعياً من التقدم في العمر. إلا أن هذه الأعراض قد تثير القلق لدى كثيرين، خصوصاً عندما ترتبط مباشرة بمرض ألزهايمر أو غيره من الأمراض العصبية التنكسية.
غير أن مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية أوضحت في تقرير طبي أن فقدان الذاكرة لا يكون دائماً مؤشراً على الخرف، إذ قد يكون في بعض الحالات نتيجة نقص في أحد العناصر الغذائية الأساسية، وعلى رأسها فيتامين ب12، وهو نقص يمكن تشخيصه وعلاجه إذا اكتُشف في الوقت المناسب.
وأشارت المجلة إلى أن الدماغ يعتمد على إمداد مستمر بالعناصر الغذائية التي تحافظ على كفاءة التواصل بين الخلايا العصبية. وعندما يفتقد الجسم بعض هذه العناصر، تبدأ وظائف الذاكرة والتركيز والانتباه ومعالجة المعلومات بالتراجع تدريجياً، رغم عدم وجود تلف دائم في الدماغ.
فيتامين ب12.. عنصر أساسي لصحة الدماغ
يُعرف فيتامين ب12، أو الكوبالامين، بدوره الحيوي في تكوين المادة الوراثية وإنتاج كريات الدم الحمراء، لكنه يؤدي أيضاً وظيفة أساسية في حماية الجهاز العصبي والحفاظ على كفاءة انتقال الإشارات بين الخلايا العصبية، وهي العملية التي تعتمد عليها الذاكرة والتفكير والتعلم.
ووفقاً لما ذكرته مجلة “لا فيدا لوثيدا”، لا يستطيع الجسم تصنيع هذا الفيتامين بنفسه، لذلك يعتمد بالكامل على الحصول عليه من الغذاء أو المكملات الغذائية، إضافة إلى قدرة الجهاز الهضمي على امتصاصه بكفاءة. ومع التقدم في العمر تقل كفاءة الامتصاص، ما يجعل كبار السن أكثر عرضة للإصابة بنقصه.
وأضافت المجلة أن استمرار نقص فيتامين ب12 لفترات طويلة قد يؤثر في بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة، كما قد يضعف الروابط العصبية، لذلك ينظر أطباء الأعصاب إلى هذا النقص باعتباره عاملاً مهماً يجب استبعاده عند تقييم حالات ضعف الذاكرة.
متى يصبح نقص فيتامين ب12 مقلقاً؟
يُقاس مستوى فيتامين ب12 في الدم بوحدة بيكوغرام لكل مليلتر. ورغم أن بعض المختبرات تعتبر أن المستويات التي تتجاوز 200 بيكوغرام لكل مليلتر تقع ضمن الحدود الطبيعية، فإن كثيراً من أطباء الأعصاب يرون أن ظهور أعراض عصبية يستدعي اهتماماً أكبر حتى عند مستويات أعلى من ذلك.
وتوضح مجلة “لا فيدا لوثيدا” أن أعراضاً مثل ضعف الذاكرة قصيرة المدى، وصعوبة التركيز، والتعب، والتنميل، قد تبدأ بالظهور عندما ينخفض مستوى الفيتامين إلى أقل من 300 أو 350 بيكوغرام لكل مليلتر، وهي المرحلة التي تُعرف باسم النقص تحت السريري.
أما إذا انخفض المستوى إلى أقل من 200 بيكوغرام لكل مليلتر، فقد يصبح خطر حدوث أضرار عصبية أكثر وضوحاً، مع تراجع القدرة على التركيز، واضطراب التفكير، وصعوبة استيعاب المعلومات الجديدة.
كيف يؤثر نقص فيتامين ب12 في الذاكرة؟
أوضحت المجلة أن تأثير نقص فيتامين ب12 يرتبط بآليتين أساسيتين داخل الجهاز العصبي.
تتمثل الأولى في تراجع إنتاج غلاف الميالين، وهو الغلاف الدهني الذي يحيط بالأعصاب ويحافظ على سرعة انتقال الإشارات العصبية. وعندما يتضرر هذا الغلاف، تصبح الإشارات أبطأ وأقل كفاءة، ما يؤدي إلى التشوش الذهني وصعوبة استرجاع المعلومات.
أما الآلية الثانية فتتمثل في ارتفاع مستوى الهوموسيستين في الدم، وهو حمض أميني قد يؤثر سلباً في الخلايا العصبية والأوعية الدموية الدقيقة داخل الدماغ، ما يحد من وصول الأكسجين والعناصر الغذائية إلى المناطق المسؤولة عن الذاكرة.
ولهذا السبب قد يؤدي نقص فيتامين ب12 إلى ظهور أعراض تُشبه الخرف، فيما يُعرف طبياً باسم الخرف الكاذب الناتج عن نقص فيتامين ب12، وهي حالة يمكن أن تتحسن بشكل كبير عند تشخيصها وعلاجها مبكراً.
علامات قد تسبق فقدان الذاكرة
تشير مجلة “لا فيدا لوثيدا” إلى أن نقص فيتامين ب12 لا يبدأ عادة بفقدان الذاكرة، بل تظهر قبله علامات عصبية قد تساعد على اكتشاف المشكلة مبكراً، من أبرزها:
- الشعور بالتنميل أو الوخز في اليدين والقدمين.
- الإرهاق المستمر رغم الحصول على قسط كافٍ من النوم.
- ضعف العضلات.
- اضطراب التوازن أثناء المشي.
- تغيرات مزاجية مثل العصبية أو الاكتئاب.
- ضعف التركيز وصعوبة الانتباه.
وتنصح المجلة بإجراء تحليل فيتامين ب12 عند اجتماع هذه الأعراض، خاصة لدى كبار السن، أو الأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً نباتياً، أو من يستخدمون أدوية تقليل حموضة المعدة لفترات طويلة.
أهم مصادر فيتامين ب12
يتوافر فيتامين ب12 بصورة طبيعية في المنتجات الحيوانية، وتشمل أبرز مصادره:
- الكبد.
- اللحوم الحمراء.
- الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين.
- البيض.
- الحليب ومشتقاته.
ومع ذلك، تؤكد مجلة “لا فيدا لوثيدا” أن تناول هذه الأطعمة لا يضمن دائماً الحفاظ على مستوى طبيعي من الفيتامين، لأن بعض الأشخاص يعانون ضعف امتصاصه بسبب التقدم في العمر أو أمراض الجهاز الهضمي أو استخدام بعض الأدوية.
وفي هذه الحالات قد يوصي الطبيب باستخدام المكملات الغذائية، ويفضل كثير من المتخصصين الشكل النشط المعروف باسم ميثيل كوبالامين، وذلك وفق نتائج التحاليل والتقييم الطبي.
مستوى مناسب للحفاظ على صحة الدماغ
يرى عدد من أطباء الأعصاب أن الحفاظ على مستوى فيتامين ب12 أعلى من 400 بيكوغرام لكل مليلتر قد يساعد في دعم الذاكرة وصحة الجهاز العصبي، خصوصاً لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالنقص.
ومع ذلك، تؤكد مجلة “لا فيدا لوثيدا” أن فقدان الذاكرة لا يرتبط دائماً بنقص فيتامين ب12، إذ قد تكون هناك أسباب أخرى مثل اضطرابات النوم، والاكتئاب، وأمراض الغدة الدرقية، أو الأمراض العصبية التنكسية. لذلك يبقى التشخيص الطبي الشامل ضرورياً لتحديد السبب الحقيقي واختيار العلاج المناسب.
ويخلص التقرير إلى أن فحص مستوى فيتامين ب12 يُعد من أبسط الفحوص وأكثرها أهمية عند ظهور مشكلات الذاكرة، لأن اكتشاف النقص وعلاجه مبكراً قد يمنع تطور الأعراض ويحافظ على صحة الدماغ والقدرات الإدراكية على المدى الطويل.
اقرأ المزيد
من الشقيقة إلى الصداع العنقودي.. أكثر من 150 شكلاً لآلام الرأس يحدد الأطباء أسبابها وعلاجها
أفضل وضعية نوم لصحة القلب.. أطباء يكشفون الوضعية المثالية ويحذرون من النوم على البطن
الدهون الثلاثية ترتفع بصمت.. 15 عادة يومية قد تنقذ قلبك قبل فوات الأوان

