وطن-شهدت العاصمة اللبنانية بيروت، ليل الجمعة السبت، موجة احتجاجات واسعة نفذها مئات من أنصار حزب الله، رفضاً لاتفاق إطار ثلاثي جرى توقيعه في واشنطن بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، وسط مخاوف متصاعدة من أن يفتح الاتفاق باباً جديداً للتوتر الداخلي، خصوصاً أنه لا يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لانسحاب إسرائيل من المناطق اللبنانية التي تحتلها.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن أنصار حزب الله خرجوا إلى شوارع بيروت بعد ساعات من الإعلان عن الاتفاق، حيث جابوا عدداً من المناطق على متن الدراجات النارية، بينها وسط العاصمة ومحيط البرلمان وطريق المطار، في مشهد عكس حجم الغضب داخل بيئة الحزب من مضمون التفاهمات التي أُبرمت في واشنطن.
وأظهرت مقاطع مصورة تداولتها وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي مئات المحتجين وهم يتحركون بالدراجات النارية في الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا سيما في منطقة الضاحية التي تعرضت خلال الفترة الماضية لدمار واسع جراء الغارات الجوية الإسرائيلية.
وبحسب ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، فقد تجمع عدد من المحتجين قرب السراي الحكومي، فيما قطع آخرون طريقاً رئيسياً في المنطقة. كما أظهرت تسجيلات مصورة عناصر من الجيش اللبناني وهم يعملون على تفريق متظاهرين أغلقوا طريق المطار بالإطارات المشتعلة، قبل أن يعاد فتحه لاحقاً.
وأضافت الوكالة أن الجيش اللبناني أقام حواجز مؤقتة في عدد من مناطق بيروت، في محاولة لاحتواء التحركات ومنع توسع الاحتجاجات أو انتقالها إلى نقاط حساسة داخل العاصمة.
وكانت إسرائيل ولبنان قد وقّعا، في وقت سابق الجمعة، اتفاقاً في واشنطن بعد أيام من المفاوضات الهادفة إلى وقف القتال بين إسرائيل وحزب الله. وقال موقع “ميدل إيست آي” إن الاتفاق جاء بعد خمس جولات من المحادثات المباشرة، وتضمن ترتيبات أولية تقضي بأن يتولى الجيش اللبناني السيطرة على منطقتين تحتلهما إسرائيل، إلى جانب مسار سياسي وأمني يستهدف نزع سلاح حزب الله.
لكن النقطة الأكثر حساسية في الاتفاق، وفق الصحيفة، تتمثل في أنه لا يحدد متى أو تحت أي شروط ستنسحب إسرائيل من المساحات الواسعة التي تسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية. وبدلاً من ذلك، يربط أي انسحاب بتطورات الوضع الأمني وإزالة ما تعتبره إسرائيل تهديداً لها، ما يجعل الانسحاب عملياً مشروطاً بنزع سلاح حزب الله.
ويعد هذا البند جوهر الخلاف، إذ لطالما أكد حزب الله أنه لن يتخلى عن سلاحه ما دامت إسرائيل تحتل أراضي لبنانية وتشكل تهديداً مستمراً للبنان. ويخشى معارضو الاتفاق أن يؤدي ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح الحزب إلى أزمة داخلية عميقة، في ظل الانقسام اللبناني حول سلاح المقاومة ودور الدولة.
وفي أولى ردود الفعل السياسية من داخل حزب الله، قال النائب حسن فضل الله إن السلطات اللبنانية “لن تكون قادرة على فرض تنفيذ الاتفاق الموقع في واشنطن إلا إذا ذهبت، بدعم أميركي، إلى حرب أهلية”. ونقلت “ميدل إيست آي” عن فضل الله قوله إن ما جرى في واشنطن هو محاولة لتعطيل “مسار إسلام آباد”، في إشارة إلى اتفاق أولي بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب الإقليمية الأوسع التي تشمل الساحة اللبنانية.
وأضاف فضل الله: “من دون المقاومة لن يمر شيء”، مؤكداً أن حزب الله سيتصدى لأي محاولة من السلطات اللبنانية لتنفيذ الاتفاق، وأن الحزب سيتمسك بسلاحه بصورة أكبر في المرحلة المقبلة.
وبحسب الصحيفة، وصف فضل الله موقف حزب الله من الاتفاق بأنه “جاد”، مشيراً إلى أن الحزب سيمنع السلطات من الوفاء بالالتزامات التي ترتبت عليها بموجب اتفاق واشنطن. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن حزب الله لا يسعى إلى مواجهة مع الجيش اللبناني، قائلاً: “الجيش سيبقى، والمقاومة ستبقى، والشعب سيبقى”.
وتزامناً مع التوتر السياسي والشعبي، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام بأن مسيرة تابعة للجيش الإسرائيلي استهدفت، ظهر السبت، منطقة النبطية في جنوب لبنان. كما أسقطت مسيرة إسرائيلية قنبلة صوتية قرب حاجز للجيش اللبناني في بلدة النبطية الفوقا، في مؤشر على استمرار هشاشة الوضع الميداني رغم إعلان الاتفاق.
في المقابل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن اتفاق الإطار يسمح للقوات الإسرائيلية بمواصلة البقاء في جنوب لبنان إذا لم ينزع حزب الله سلاحه. وقدم نتنياهو توقيع الاتفاق بوصفه “ضربة كبرى” لإيران، معتبراً أن طهران تحاول دفع إسرائيل إلى الانسحاب من جنوب لبنان بالقوة.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن نتنياهو قوله: “إيران تحاول إجبارنا على الانسحاب من جنوب لبنان بالقوة. عملياً، إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة تقول لهم: هذا ليس من شأنكم”.
وفي إسرائيل، أثارت التطورات اللبنانية قراءات مختلفة داخل الإعلام العبري. فقد قال مذيع في القناة 13 الإسرائيلية إن زرع الانقسامات الداخلية في لبنان كان منذ فترة طويلة أحد الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل. وأضاف، في تعليق لافت: “يبدو أننا نقود لبنان إلى حرب أهلية. ربما هذا ليس سيئاً بالنسبة لنا، فلتقاتل الحكومة اللبنانية حزب الله… كان هذا هو الهدف منذ البداية”.
وتضع هذه التصريحات اتفاق واشنطن أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ لا يقتصر الجدل حوله على بنوده الأمنية والعسكرية، بل يمتد إلى تداعياته الداخلية في لبنان، حيث يخشى كثيرون أن يتحول ملف نزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان إلى شرارة مواجهة سياسية وأمنية أوسع.
وبينما تسعى واشنطن إلى تقديم الاتفاق باعتباره خطوة نحو وقف القتال وترتيب الوضع الحدودي، يرى حزب الله وأنصاره أنه يمنح إسرائيل حق البقاء في الأراضي اللبنانية من دون ضمانات واضحة للانسحاب. أما الدولة اللبنانية، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة بين الضغوط الدولية، والاحتلال الإسرائيلي، وموقف حزب الله الرافض لأي مساس بسلاحه قبل زوال التهديد الإسرائيلي.
اقرأ أيضاً
الشرع يكسر الصمت: جرحنا من حزب الله عميق.. ونبحث عن قنوات اقتصادية لا عسكرية مع لبنان
لبنان وإسرائيل يوقعان اتفاقاً إطارياً لوقف الحرب وفتح مسار التسوية..
نتنياهو وكاتس يعلنان بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وسوريا وغزة «من دون سقف زمني»

