وطن-في خطوة تُعد من أبرز التحولات الجيوسياسية في غرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، أعلنت بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا بشكل كامل، منهيةً بذلك علاقة امتدت لعقود بين باريس وإحدى أهم الدول التي شكلت جزءاً من نفوذها التقليدي في منطقة الساحل.
ويأتي القرار بعد سلسلة إجراءات تصعيدية اتخذتها السلطات في واغادوغو منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة، شملت طرد القوات الفرنسية، وإنهاء اتفاقيات التعاون العسكري، وإغلاق القاعدة العسكرية الفرنسية، ثم مطالبة السفير الفرنسي بمغادرة البلاد، قبل أن تُستكمل هذه الخطوات بقطع العلاقات الدبلوماسية بصورة كاملة.
وبررت الحكومة في بوركينا فاسو قرارها بأنه يندرج ضمن سياسة تهدف إلى حماية السيادة الوطنية ورفض أي تدخل خارجي في شؤون البلاد، متهمةً فرنسا بالعمل بما يتعارض مع مصالح الدولة وتقويض سيادتها، وهي اتهامات نفتها باريس في مناسبات سابقة.
ويرى مراقبون أن القرار يتجاوز كونه إجراءً دبلوماسياً، ليحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية تعكس تحولاً متسارعاً في موازين القوى داخل القارة الإفريقية، خاصة في منطقة الساحل التي شهدت خلال الأعوام الأخيرة تراجعاً ملحوظاً للنفوذ الفرنسي مقابل صعود شركاء دوليين وإقليميين جدد.
ويأتي هذا التطور في سياق مسار مشابه اتبعته دول أخرى في المنطقة، مثل مالي والنيجر، اللتين اتخذتا خطوات متقاربة تمثلت في إنهاء الوجود العسكري الفرنسي وإعادة صياغة علاقاتهما الخارجية، مع التركيز على تنويع الشراكات الأمنية والاقتصادية.
وتواجه فرنسا منذ سنوات تحديات متزايدة للحفاظ على نفوذها التقليدي في مستعمراتها السابقة، في ظل تنامي الخطاب الداعي إلى التحرر من الإرث الاستعماري، وتصاعد الانتقادات الشعبية والسياسية للدور الفرنسي في ملفات الأمن والتنمية ومكافحة الإرهاب.
ويرى خبراء أن استمرار هذا المسار قد يدفع باريس إلى إعادة تقييم استراتيجيتها بالكامل في إفريقيا، بعدما كانت منطقة الساحل تمثل إحدى أهم دوائر نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي لعقود طويلة.
وفي المقابل، تسعى السلطات الجديدة في بوركينا فاسو إلى تقديم هذه التحولات باعتبارها جزءاً من مشروع لاستعادة القرار الوطني وبناء سياسة خارجية أكثر استقلالية، بعيداً عن الاصطفافات التقليدية التي حكمت علاقات البلاد بالقوى الغربية.
وبينما تواصل دول الساحل إعادة رسم تحالفاتها، يبقى السؤال المطروح: هل تمثل خطوة بوركينا فاسو نهاية مرحلة النفوذ الفرنسي في إفريقيا، أم أنها مجرد محطة ضمن عملية إعادة تشكيل أوسع لخريطة التوازنات الدولية داخل القارة؟
اقرأ ايضاً
لقاء ماكرون ومحمد بن زايد: تحالف أمني واستراتيجي يعيد رسم نفوذ فرنسا في الخليج
جيش الـ 30 ألف مسلح: كيف تفوقت ميليشيات الفولاني على “داعش” في إبادة مسيحيي نيجيريا؟
زلزال في باماكو وسقوط كيدال.. كيف فجّرت عمليات ’القاعدة” وطعنات الطوارق أمن مالي والتحالف الروسي؟

