وطن-في نتيجة وُصفت بأنها ضربة قوية لجناح المؤسسة داخل الحزب الديمقراطي الأميركي، حققت المرشحة التقدمية ميلات كيروس، المهاجرة الإثيوبية البالغة من العمر 29 عاماً، فوزاً لافتاً في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية بولاية كولورادو، بعدما أطاحت بعضوة الكونغرس المخضرمة ديانا ديغيت، التي شغلت المقعد منذ ما قبل ولادة منافستها.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن فوز كيروس، وهي محامية وطالبة دكتوراه، يمثل محطة بارزة لصعود الاشتراكيين الديمقراطيين داخل الولايات المتحدة، في موجة سياسية امتدت عبر ولايات زرقاء عدة، مدفوعة بزخم فوز زهران ممداني في مدينة نيويورك، وما تبعه من انتصارات لمرشحين تقدميين مؤيدين لفلسطين داخل الحزب الديمقراطي.
وجاءت المفاجأة في الدائرة الأولى للكونغرس بولاية كولورادو، التي تضم العاصمة دنفر، وهي دائرة تُعد من المعاقل الديمقراطية الراسخة. وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن ديغيت، التي قضت نحو ثلاثة عقود في الكابيتول هيل، لم تكن قد أقرت بالهزيمة حتى صباح الأربعاء عبر أي من حسابيها على منصة “إكس”، رغم أن كبار المسؤولين الديمقراطيين المنتخبين في كولورادو كانوا قد أعلنوا دعمهم لها خلال السباق.
وحتى الساعة الحادية عشرة صباحاً بالتوقيت المحلي في دنفر يوم الأربعاء، كان قد تم فرز أكثر من 81% من الأصوات. غير أن وكالة أسوشيتد برس، التي تعتمد عليها وسائل الإعلام الأميركية عادة في إعلان نتائج السباقات الانتخابية، حسمت التوقعات عند منتصف الليل بإعلان كيروس فائزة متوقعة، في إشارة إلى أن ديغيت لم تعد قادرة حسابياً على تعويض الفارق.
وأوضحت صحيفة “ميدل إيست آي” أن ديغيت كانت من الوجوه الديمقراطية الراسخة في واشنطن، كما تلقت، وفق موقع “Aipac Tracker” الرقابي، أكثر من 1.6 مليون دولار على مدار مسيرتها السياسية من جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “أيباك”.
وكانت ديغيت قد أثارت جدلاً في مارس الماضي عندما واجهها أحد الناخبين بشأن رفضها دعم مشروع قانون “Block the Bombs Act”، الهادف إلى الحد من نقل الأسلحة إلى إسرائيل، لترد عليه بعبارة لافتة: “إذا كانت هذه هي القضية الوحيدة التي تهمك، فلا ينبغي أن تصوت لي”.
في المقابل، تُعرف ميلات كيروس بمواقفها الحادة تجاه السياسات الإسرائيلية، وبانتقادها العلني للحرب على غزة. وبحسب الصحيفة، فإن فوزها في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية يجعل وصولها إلى مجلس النواب الأميركي في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر شبه محسوم، نظراً للطبيعة الديمقراطية العميقة للدائرة التي ترشحت عنها.
وبذلك تنضم كيروس إلى موجة من المرشحين التقدميين المؤيدين لفلسطين، الذين حققوا انتصارات في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ولايات مثل مين ونيويورك ونيوجيرسي وبنسلفانيا، في مسار بات يُنظر إليه داخل واشنطن باعتباره مؤشراً على تغير واضح في مزاج القاعدة الديمقراطية، خصوصاً بين الشباب واليسار التقدمي.
وفي خطاب فوزها مساء الثلاثاء، استحضرت كيروس واقعة فصلها من شركة المحاماة الدولية “Sidley Austin” عام 2023، بعد دعمها الاحتجاجات المناهضة للحرب التي اجتاحت الجامعات الأميركية على خلفية الحرب في غزة.
وقالت كيروس أمام أنصارها: “عندما كتبت رسالة أدافع فيها عن حق الطلاب في الاحتجاج ضد الإبادة في غزة، قالت لي شركة المحاماة: احذفيها أو سيتم فصلك”. وأضافت: “لم أتراجع. لم أتراجع لأنني كنت مؤمنة بكل كلمة كتبتها، وسأظل كذلك دائماً. لكنني أعرف أن تلك لن تكون المرة الوحيدة التي يطلب فيها مني أصحاب النفوذ أن أغيّر موقفي وألا أزعزع القارب. ويبدو أن هذا يحدث كثيراً في الكونغرس”.
وذكرت صحيفة “ميدل إيست آي” أن منظمة “الصوت اليهودي من أجل السلام”، التي دعمت حملة كيروس، قالت الأربعاء إن الأسابيع الأخيرة من السباق شهدت تدفق “أموال مظلمة” من شركات ومجموعات ضغط كبرى بهدف عرقلة فوزها، مشيرة إلى “أيباك” و”أمازون” و”لوكهيد مارتن” ضمن الجهات التي قالت إنها ساهمت في هذا الضغط.
وأضافت المنظمة أن خصوم كيروس سعوا إلى تصويرها على أنها “معادية للسامية” بسبب رفضها الصمت حيال ما وصفته المنظمة بالإبادة الإسرائيلية في غزة، وهو اتهام بات يتكرر في معارك انتخابية أميركية تستهدف مرشحين تقدميين ينتقدون إسرائيل أو يدعمون الحقوق الفلسطينية.
أما اللجنة الوطنية الديمقراطية، وهي الهيئة الرسمية التي تدير الحزب الديمقراطي وتصدر عادة بيانات تهنئة للمرشحين الفائزين في الليالي الانتخابية، فلم تعترف بفوز كيروس إلا بعد نحو عشر ساعات من إعلان النتائج، وفق ما أوردته الصحيفة.
وقال رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن في بيان لاحق إن “ميلات كيروس تناضل من أجل جعل الحلم الأميركي واقعاً للعمال في كولورادو”، مضيفاً أنها “مدافعة لا تكل داخل مجتمعها، ووقفت دائماً إلى جانب جيرانها”.
وتابع مارتن: “في الكونغرس، ستكون مدافعة قوية عن توسيع الوصول إلى الرعاية الصحية، والاستثمار في رعاية الأطفال، وجعل السكن أكثر قدرة على التحمل، وحماية حقوق العمال، وضمان أن تدفع الشركات والأثرياء جداً نصيبهم العادل”. وأضاف أن اللجنة الوطنية الديمقراطية “مستعدة للعمل إلى جانبها من أجل خفض التكاليف وتحقيق نتائج للعائلات العاملة”.
وتأتي هذه النتيجة في وقت يتعرض فيه الحزب الديمقراطي لانتقادات من جناحه التقدمي، بسبب ما يراه نشطاء وناخبون فشلاً في استخلاص دروس هزيمة مرشحته الرئاسية في 2024 كامالا هاريس، لا سيما في ما يتعلق بموقفها من الحرب على غزة ورفضها إدانة إسرائيل بشكل واضح أو ممارسة ضغط حقيقي لإنهاء الحرب على القطاع.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قتلوا حتى 30 يونيو ما لا يقل عن 73,066 شخصاً، في حصيلة تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي أصبحت عاملاً سياسياً مؤثراً داخل الساحة الأميركية، وخصوصاً في أوساط الشباب والناخبين التقدميين.
وأشارت صحيفة “ميدل إيست آي” إلى أن قيادة الحزب الديمقراطي ظلت في الغالب متمسكة بمرشحي المؤسسة الأكبر سناً، رغم أن استطلاعات واتجاهات انتخابية عدة أظهرت صعود جيل جديد من الديمقراطيين الاشتراكيين، من بينهم عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي بات يُنظر إليه كنموذج لجيل سياسي جديد داخل الحزب.
من جانبه، هنأ السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، الذي أيد ترشح كيروس، المرشحة الفائزة عبر منصة “إكس”، وكتب: “المدّ يتغير. الأميركيون سئموا سياسة الوضع القائم”.
ويعكس فوز ميلات كيروس في كولورادو تحوّلاً أوسع داخل الحزب الديمقراطي، حيث لم تعد قضايا مثل العدالة الاقتصادية، وحقوق العمال، والرعاية الصحية، والسكن، والموقف من إسرائيل وغزة، ملفات هامشية في الحملات الانتخابية، بل أصبحت في قلب الصراع على هوية الحزب ومستقبله السياسي في واشنطن.

