طهران – وطن – تشهد إيران منذ أيام توتراً غير مسبوق أعاد شوارع مدنها إلى مشهد الاحتجاجات الواسعة، مع إغلاق المؤسسات الرسمية والجامعات والمحال التجارية بناءً على قرار حكومي جاء في خضم أزمة سياسية واقتصادية تتفاقم يوماً بعد يوم. وقد شُلّت الحياة العامة في أغلب المحافظات الأربعاء، بينما تواصلت الإضرابات والمظاهرات في العاصمة طهران وعدد من المدن الكبرى.
تصاعد الغضب الشعبي واتساع رقعة الاحتجاج
وتزامن هذا الحراك الشعبي مع موجة من الهتافات المناهضة للسلطة، إذ أظهرت مقاطع مصوّرة انتشرت عبر الإنترنت مواجهات عنيفة بين المحتجين وقوات الأمن في مدن مثل شيراز وأصفهان وكرمنشاه وطهران. وردّد المتظاهرون شعارات تهاجم رموز الحكم، فيما رصدت الفيديوهات أصوات إطلاق نار وفوضى داخل الشوارع المكتظة.
وفي مدينة فسا، جنوبي البلاد، تحولت الاحتجاجات إلى مواجهات مباشرة أمام مبنى حكومي بعدما حاول المتظاهرون اقتحامه. وقالت تقارير من المعارضة إن قوات «الحرس الثوري» الإيراني فتحت النار لتفريق المحتجين بعد اقتحام مبنى المحافظة، بينما حلّقت مروحيات عسكرية في أجواء المدينة في محاولة لبثّ الخوف ومنع تمدد التظاهر.
سقوط أول قتيل من قوى الأمن
وأعلنت وسائل إعلام رسمية مقتل متطوع في صفوف قوات الحرس الثوري يبلغ من العمر 21 عاماً في مدينة كوهدشت بمحافظة لرستان، وهي الحادثة الأولى التي تسجّل بين عناصر الأمن منذ اندلاع هذه الموجة من التظاهرات. ونقل عن نائب محافظ لرستان، سعيد بورعلي، قوله إن العنصر «استشهد أثناء دفاعه عن النظام والأمن العام إثر اعتداء مثيري الشغب».
احتجاجات الأسواق وامتداد الإضراب
والاحتجاجات لم تبقَ محصورة في الشوارع، إذ انضم تجار الأسواق التقليدية إلى الإضراب في عدد من المدن، ولا سيما في طهران، حيث أُغلقت المحال تضامناً مع الدعوات لليوم الواحد من التوقف العام. وبحسب التقارير المحلية، شمل الإغلاق 21 محافظة من أصل 31 في البلاد، ما شكّل ضغطاً إضافياً على الحكومة التي تواجه تراجعاً في العملة المحلية وارتفاعاً حاداً في نسب التضخم وتدهوراً في مستويات المعيشة.
قرارات حكومية في ظل الأزمة
ووسط هذه الاضطرابات، أجرى الرئيس مسعود پزشكيان تعديلاً في المناصب الاقتصادية الحساسة، حيث عيّن عبد الناصر همتي، الوزير الأسبق للاقتصاد، رئيساً للبنك المركزي خلفاً لمحمد رضا فرزين الذي قدّم استقالته. وأقرّ الرئيس بأن المنصب «بالغ الصعوبة والتعقيد» في ظل الأزمة الراهنة، مؤكداً أن الإدارة الجديدة ستتعرض لضغوط كبيرة وانتقادات حادة مع استمرار التراجع الاقتصادي.

وفي خطوة أخرى، أعلن المرشد الأعلى علي خامنئي تعيين اللواء أحمد وحيدي نائباً للقائد العام في الحرس الثوري، في سياق تغييرات داخلية يقول مراقبون إنها تهدف إلى تعزيز السيطرة الأمنية على المشهد الداخلي.
مشهد مفتوح على المجهول
وتستمر التظاهرات في يومها الرابع دون مؤشرات على التهدئة، فيما تواجه السلطات اختباراً صعباً بين الاحتواء الأمني والاستجابة لغضب اجتماعي متزايد تغذّيه الأوضاع المعيشية القاسية وفقدان الثقة بالإصلاحات. وبينما يصف مسؤولون ما يجري بأنه «دفاع عن النظام أمام أعمال شغب»، يرى المحتجون أنفسهم في معركة من أجل الكرامة والعدالة.
ورغم الإجراءات الحكومية والإغلاق الواسع، يبدو أن الشارع الإيراني ما زال يتحرك بدافع الإحباط الجماعي، في وقت ينتظر فيه المواطن العادي مؤشرات حقيقية على التغيير، بعيداً عن وعود السياسات والإجراءات المؤقتة.
اقرأ أيضاً:












