القاهرة – وطن – لم تعد مصر تملك رفاهية الحياد الكامل.
فمع اتساع الشرخ بين السعودية والإمارات، تجد القاهرة نفسها اليوم تمشي فوق حبل مشدود: أي ميل زائد نحو أحد الطرفين قد يكلفها اقتصادها… وأمنها… وربما استقرارها الداخلي.
هذا ما يخلص إليه هيثم حسنين، المحلل في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي يرى أن التوتر السعودي–الإماراتي لم يعد صراعًا خليجيًا داخليًا فحسب، بل بات عامل ضغط مباشر على الدولة المصرية.
اقتصاد مصر… رهينة شريانين متنافسين
يشرح حسنين أن المنافسة بين الرياض وأبوظبي ليست نظرية بالنسبة للقاهرة، بل مسألة وجود اقتصادي.
الإمارات أصبحت المصدر الأسرع للسيولة النقدية الفورية.
صفقة رأس الحكمة التي ضخت فيها أبوظبي نحو 35 مليار دولار عام 2023 جسّدت قدرتها على إنقاذ الجنيه المصري سريعًا وتمويل مشاريع كبرى.
وفي المقابل، تمثل السعودية الركيزة المؤسسية طويلة الأجل:
- ودائع مستقرة في البنك المركزي
- إمدادات نفطية ميسرة عبر أرامكو
- تحويلات أكثر من مليون عامل مصري في المملكة
وبين هذا النموذج السريع (الإمارات) والنموذج المستدام (السعودية)، اختارت القاهرة سياسة توزيع المخاطر بدل الانحياز.
الموانئ… حيث ظهر أول خط أحمر مصري
يشير حسنين إلى أن القاهرة تسمح للإمارات بحصص أغلبية في مشاريع استراتيجية، لكنها ترفض التفريط في السيطرة الكاملة.
فعندما اقتربت شركة إماراتية من امتلاك نحو 90% من شركة تشغيل حاويات الإسكندرية المرتبطة بقناة السويس، أوقفت الحكومة المصرية الصفقة.
الرسالة واضحة:
الاستثمارات مرحّب بها… لكن السيادة خط أحمر.
إسرائيل تدخل المعادلة
للمرة الأولى، أصبحت إسرائيل جزءًا من التوازن الاقتصادي المصري عبر تصدير الغاز إلى القاهرة، لتغذية محطات الإسالة وتوفير كهرباء وصادرات.
وهنا تتقاطع المصالح:
- استثمارات إماراتية وسعودية في الموانئ
- صادرات غاز إسرائيلية عبر مصر
ما يعني أن الصراع الخليجي لم يعد ثنائيًا فقط…
بل بات يلامس شبكة مصالح إقليمية معقدة.
السودان… نقطة الخطر الأمني
في السودان تصبح المخاطر أعلى.
مصر ترى في الجيش السوداني شريكًا ضروريًا لحماية حدودها ومياه النيل.
بينما تُتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع.
بالنسبة للقاهرة، ظهور قوة مسلحة مستقلة وثقيلة التسليح جنوب حدودها هو كابوس استراتيجي.
ولهذا اختارت مصر الاصطفاف بهدوء مع المبادرات السعودية بشأن السودان، دون صدام مباشر مع أبوظبي.
البحر الأحمر واليمن… القاهرة أقرب إلى الرياض
في أمن البحر الأحمر، تميل مصر إلى الرؤية السعودية:
- حماية الملاحة
- الحفاظ على الدول المركزية
- منع تفكك النفوذ في الجزر والموانئ
بينما ترى القاهرة أن النموذج الإماراتي القائم على الوكلاء المحليين والموانئ المستقلة قد يحول البحر الأحمر إلى فسيفساء صراعات تهدد قناة السويس.
لذلك تنسق مصر عمليًا مع الرياض، لكنها تتجنب إعلان القطيعة مع أبوظبي.
تحوّط خارج الخليج
وسعت القاهرة خياراتها:
- انضمت إلى بريكس
- حسّنت علاقتها بقطر
- فتحت قنوات مع تركيا وإيران
ليس بهدف استبدال الخليج…
بل لتقول للجميع:
مصر ليست رهينة لأحد.
السيناريو الكابوس
هيثم حسنين يحذر من أخطر احتمال:
قطيعة سعودية–إماراتية كاملة تمتد إلى الأمن البحري والجامعة العربية.
حينها، يقول حسنين، ستُجبر مصر جغرافيًا وتاريخيًا على الميل إلى السعودية…
لكن العلاقة الشخصية الوثيقة بين السيسي ومحمد بن زايد قد تدفع القاهرة بالعكس.
وهنا تصبح مصر ساحة شدّ حبال بين الحليفين.
أدوات الضغط الخليجية
كلا الطرفين يملك وسائل ضغط:
- تأخير الودائع
- تجميد الاستثمارات
- التضييق على العمالة
- حملات إعلامية ناعمة
لكن لا أحد يريد إسقاط مصر.
فهي — كما يصفها حسنين — “أكبر من أن تفشل”.
واشنطن… تراقب وتحاول الضبط
يرى حسنين أن الولايات المتحدة مطالبة بمنع الصراع الخليجي من تفجير الاستقرار المصري، لأن انهيار مصر يعني:
- اضطراب البحر الأحمر
- تهديد قناة السويس
- فراغ عربي تستفيد منه إيران
ولهذا تدعو واشنطن إلى إدارة هادئة للمنافسة الخليجية بدل تحويلها إلى صراع مفتوح.
الخلاصة
مصر اليوم لا تختار بين الرياض وأبوظبي…
بل تحاول ألا تُسحق بينهما.
وكلما طال الشرخ الخليجي،
ازداد الحبل الذي تمشي عليه القاهرة…
رقّةً وخطورة.
اقرأ أيضاً:












