وطن-في تصعيد جديد يعكس توتر العلاقة بين السلطة والمجتمع المدني، قررت السلطات في تونس تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إحدى أقدم وأبرز المنظمات الحقوقية في البلاد، في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل داخليًا وخارجيًا.
القرار لم يمر كإجراء إداري عابر، بل حمل دلالات سياسية عميقة، خاصة أن المنظمة تُعد جزءًا من الرباعي الراعي للحوار الوطني الذي تُوّج بـ جائزة نوبل للسلام عام 2015، بعد دوره في تجنيب تونس انزلاقًا خطيرًا خلال أزمة سياسية حادة.
تاريخ ثقيل… وقرار مفاجئ
تأسست الرابطة عام 1976، وظلت لعقود صوتًا مستقلاً في الدفاع عن الحريات والحقوق، ما جعل قرار تعليق نشاطها يبدو للكثيرين كتحوّل لافت في مسار التعامل مع المجتمع المدني.
وفي بيان لها، اعتبرت المنظمة أن القرار لا يمكن فصله عن “سياق عام يتسم بتصاعد التضييق الممنهج على الأصوات الحرة”، في إشارة إلى سلسلة إجراءات طالت جمعيات وصحفيين ومعارضين في الفترة الأخيرة.
سياق سياسي متوتر
منذ أن عزّز الرئيس قيس سعيّد صلاحياته، تواجه البلاد انتقادات متزايدة بشأن تراجع الحريات. فقد شملت الإجراءات السابقة تعليق نشاط منظمات بارزة، إلى جانب ملاحقات قضائية طالت شخصيات إعلامية، من بينها الصحفي زياد الهاني.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تعكس توجّهًا نحو إعادة تشكيل المجال العام، بما يقلّص من دور الفاعلين المستقلين، في مقابل تعزيز قبضة الدولة على مفاصل الحياة السياسية والإعلامية.
بين الأمن والحريات
في المقابل، يدافع أنصار السلطة عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية “لحماية الدولة” ومؤسساتها من الفوضى أو التأثيرات الخارجية، مؤكدين أن المرحلة تتطلب حزمًا في التعامل مع ما يرونه تجاوزات.
لكن منظمات حقوقية تحذّر من أن تقييد المجتمع المدني قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يُضعف آليات الرقابة والتوازن، ويزيد من الاحتقان داخل الشارع.
جدل مفتوح… وأسئلة بلا إجابات
قرار تعليق نشاط الرابطة فجّر نقاشًا واسعًا على منصات التواصل، بين من يراه خطوة سيادية، ومن يعتبره مؤشرًا على تضييق متزايد على الحريات.
وفي ظل هذا المشهد، لم يعد السؤال مقتصرًا على منظمة واحدة، بل بات أوسع: إلى أي مدى يمكن أن تتقلص المساحة بين الدولة والمجتمع المدني دون أن يترك ذلك أثرًا عميقًا على الاستقرار السياسي؟
في النهاية، قد لا يُسمع صوت المؤسسات حين تُعلّق، لكن الفراغ الذي تتركه يظلّ حاضرًا… وربما أكثر تأثيرًا من أي خطاب.
اقرأ ايضاً












