وطن-في تحوّلٍ لافت يعكس إعادة ترتيب موازين القوة داخل القارة، بدأت علاقة اليمين الأوروبي بتيار “الترامبية” تشهد مراجعة عميقة، بعدما كانت لسنوات تُعدّ رافعة سياسية ورمزًا للشرعية الأيديولوجية. اليوم، يبدو أن هذا الارتباط بات سلاحًا ذا حدّين، قد يُضعف الحلفاء بدل أن يعزّز مواقعهم الانتخابية.
من ورقة قوة إلى عبء انتخابي
لطالما شكّل التقارب مع دونالد ترامب عنصر جذب لعدد من قادة اليمين في أوروبا، باعتباره امتدادًا لخطاب قومي محافظ يتحدى المؤسسات التقليدية. غير أن التطورات الأخيرة كشفت حدود هذا الرهان، خاصة بعد الهزيمة التي مُني بها فيكتور أوربان، الذي كان يُنظر إليه كأحد أبرز حلفاء ترامب في القارة.
خسارة أوربان، بعد سنوات طويلة في الحكم، لم تكن مجرد حدث محلي، بل تحوّلت إلى لحظة مراجعة داخل الأوساط اليمينية الأوروبية. إذ أظهرت أن الدعم الخارجي، حتى وإن كان من شخصية بحجم ترامب، لا يضمن بالضرورة الاستمرار في السلطة، بل قد يثير تساؤلات حول استقلالية القرار السياسي.
ميلوني… براغماتية بدل الاصطفاف
في المقابل، برزت جورجا ميلوني كوجه جديد لليمين الأوروبي الذي يسعى إلى إعادة ضبط علاقته بواشنطن. فبدلاً من الاصطفاف الكامل مع مواقف ترامب، اختارت ميلوني مسارًا أكثر حذرًا، يقوم على التوازن بين التقارب الأيديولوجي والحفاظ على السيادة السياسية.
هذا النهج تجلّى في مواقفها من قضايا دولية حساسة، حيث فضّلت عدم الانخراط في التزامات عسكرية أوسع، كما تجنّبت الانجرار وراء تصريحات مثيرة للجدل قد تؤثر على قاعدتها الداخلية، خصوصًا في بلد ذي حساسية دينية وثقافية مثل إيطاليا.
حدود “البركة الترامبية”
ما تكشفه هذه التحولات هو أن “البركة الترامبية” لم تعد ميزة مجانية كما كانت في السابق. بل أصبحت تُقيَّم ضمن معادلة معقّدة تجمع بين المكاسب الأيديولوجية والمخاطر السياسية. فالتقارب مع ترامب قد يمنح زخمًا شعبويًا، لكنه في الوقت نفسه قد يضع القادة الأوروبيين في موقع التابع لحركة خارجية، وهو ما لا يتقبله جزء من الناخبين.
يمين أوروبي يعيد تعريف نفسه
على الرغم من ذلك، لا يبدو أن اليمين الأوروبي بصدد القطيعة التامة مع “الترامبية”. فالكثير من أحزابه لا يزال يستلهم من خطابها، خاصة في ملفات الهجرة والهوية ومناهضة النخب الليبرالية. غير أن الفارق اليوم يكمن في طريقة التعاطي: لم يعد الهدف هو التحالف غير المشروط، بل إدارة العلاقة بحذر.
ختاماً، يقف اليمين الأوروبي أمام مفترق طرق واضح: بين نموذج “الاحتضان الكامل” الذي أثبت محدوديته، كما في حالة أوربان، ونموذج “البراغماتية الحذرة” الذي تحاول ميلوني ترسيخه. وبين هذين الخيارين، تتشكل ملامح مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: التلاقي دون التبعية.
اقرأ أيضاً
عصر ما بعد أوربان: بيتر ماغيار ينهي “دولة المافيا” في المجر ويهز عرش اليمين العالمي
هزيمة فيكتور أوربان بعد 16 عامًا في السلطة يفكك أممية اليمين ويترك ترامب وحيداً..












