أبوظبي – وطن – منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ظلّ الدستور قائمًا كنصٍّ مكتوب، أنيق الصياغة، واضح الأحكام. غير أن المسافة بين النص و الوظيفة اتّسعت حتى غدت هوّةً لا يراها كثيرون، ولا يعرف معظم الإماراتيين أصلًا أن مدة رئاسة الدولة خمس سنوات فقط ، قابلة للتجديد.
الدستور يقول هذا صراحة. الواقع يقول شيئًا آخر.
قبل النفط وقبل الدولة، لم يكن الحكم في أبوظبي—داخل بيت آل نهيان—نموذجًا للاستقرار السلمي. شهدت الأسرة في النصف الأول من القرن العشرين انقلابات داخلية وصراعات أخوية ، عُزل فيها حكّام وقُتل آخرون، وتبدّلت السلطة بالقوة والتحالفات. تلك الوقائع لم تكن استثناءً تاريخيًا، بل شكّلت ذاكرة سياسية عميقة : الخوف من الانقسام، والبحث عن “حسم” يمنع التكرار.
ومع قيام الاتحاد، لم تُمحَ تلك الذاكرة، بل أُعيد توظيفها. فبدل أن تُدار السلطة بآليات تداول واضحة، تكوّن عرفٌ سياسي يغلّف القرار بتوافقٍ مُسبق، ويحوّل “الانتخاب” إلى تزكية ، و“المدة” إلى استمرارية مفتوحة .
فمنذ المؤسس، مرورًا بخلفه، وصولًا إلى الحاضر، لم تُختَبَر المدة كمدة ، ولم يُختَبَر الانتخاب كاختيار. تحوّل المجلس الأعلى إلى مُصدِّق، لا مُفاضِل؛ وأصبحت الرئاسة عرفًا مستقرًا لا منصبًا دوريًا.
الأدقّ أن نقول: الدستور لم يُخرَق، بل عُطِّلت وظيفته . فالتجديد جائز، نعم، لكن حين يصبح آليًا بلا نقاش، تتحول القاعدة الدستورية إلى غطاء لا ضابط . وحين يغيب الوعي العام بمدة الحكم، تُفرَّغ المدة من معناها السياسي، وتغدو الدولة أسيرة استقرار بلا تداول .
زايد كان يباها ديمقراطيه مب حكم وراثي. تعلموا 🇦🇪 لعلكم ترحمون🌹 https://pic.twitter.com/JenRosix1Z
فيُنشَّأ المواطن على أن الحكم حالة دائمة ، لا ولاية محدودة؛ وعلى أن الاستقرار يعني الاستمرار، لا التداول.
الدستور الإماراتي يقول: خمس سنوات. العرف السياسي يقول: بلا نهاية.
بين صراعاتٍ عائلية قديمة خافت من التمزّق، ونظامٍ حديث خاف من الاختبار، وُلدت دولة يحكمها العرف وتُزيّنها النصوص . والمفارقة أن أكثر من يجهل ذلك… هم مواطنوها أنفسهم.
