الكويت -وطن – دخلت الكويت خلال الأيام الماضية مرحلة سياسية واجتماعية شديدة الحساسية، بعد تصاعد قرارات سحب الجنسيات من شخصيات كويتية بارزة، وما تبع ذلك من دعوات للتحرك الشعبي واشتداد الجدل حول معنى المواطنة وحدود السلطة في إدارة ملف الجنسية.
في بيان حمل عنوان «بيان من أحرار الكويت (1)» ، دعت مجموعة من النشطاء والسياسيين الكويتيين إلى تحرك سلمي منظم يوم الخميس 29 يناير 2026، احتجاجًا على ما وصفوه بـ تصعيد خطير في ملف سحب الجنسيات ، وما ترتب عليه من آثار إنسانية واجتماعية تمس جوهر الدولة ووحدة المجتمع.
البيان استند إلى آية قرآنية تدعو إلى الاعتصام وعدم التفرق، ثم انتقل إلى توصيف المرحلة باعتبارها منعطفًا خطيرًا في تاريخ الكويت ، بعد تراكم ممارسات قال إنها تمس جوهر الدولة وتهدد وحدة المجتمع ومستقبل الأجيال.
وأشار البيان إلى أن الكويت شهدت في الفترة الماضية:
وأكد البيان أن استمرار هذا النهج يهدد بتحويل المواطنة إلى وضع مؤقت ، ويفتح الباب أمام الظلم والتعسف وتصفية الحسابات خارج إطار الدستور والقانون.
كما وجّه البيان نداءً إلى الأسرة الحاكمة ورجال القضاء والقيادات الأمنية لتحمّل مسؤوليتهم التاريخية في حماية الدولة ووحدتها وكرامة المواطنين.
بالتوازي مع صدور البيان، شهدت منصات التواصل موجة واسعة من ردود الفعل الغاضبة من كويتيين اعتبروا أن قرارات سحب الجنسيات تجاوزت حدود القانون، ولامست جوهر العقد الاجتماعي الذي تأسست عليه الدولة.
تصاعدت نبرة الاحتجاج خصوصًا بعد تداول حالات لشخصيات خدمت الكويت لعقود في ميادين مختلفة، قبل أن تُسحب جنسياتهم بقرارات إدارية مفاجئة، دون مسار قضائي شفاف أو حق واضح في التقاضي.
هذا الغضب لم يقتصر على المعارضين السياسيين، بل امتد إلى شرائح اجتماعية واسعة رأت في ما يجري تهديدًا لمفهوم المواطنة نفسه ، وليس مجرد إجراءات بحق أفراد.
في المقابل، برز خطاب آخر داخل المجتمع الكويتي يبرر قرارات سحب الجنسيات، معتبرًا أن الجنسية امتياز تنظمه الدولة وفق قوانينها ، وأن ما اتُّخذ يدخل في إطار السيادة الوطنية وتنظيم ملفات التجنيس.
هذا التيار يرى أن الإجراءات وإن بدت قاسية، إلا أنها تستند إلى صلاحيات قانونية قائمة، وأن الدولة من حقها إعادة ضبط ملف الجنسية لحماية التوازن الديمغرافي والهوية الوطنية.
لكن هذا الخطاب، كما يشير منتقدوه، يختزل المواطنة في إطار إداري بحت، ويتجاهل أبعادها الإنسانية والاجتماعية والتاريخية.
في قلب هذا الجدل، برزت قضية أحمد الطرابلسي بوصفها مثالًا صارخًا على التناقض القائم.
ومع ذلك، صدر قرار بسحب جنسيته، ما فجّر نقاشًا واسعًا حول هل تُختزل المواطنة في “فترة امتياز” مؤقتة؟ أم أنها رابطة ثابتة بين الفرد والدولة؟
في سياق هذا الجدل، كتب عبدالعزيز محمد العنجري تغريدة لافتة قال فيها:
إن القضية ليست دفاعًا عن شخص، بل دفاع عن معنى الدولة ومفهوم المواطنة . فحين تُختزل الجنسية في “فترة امتياز”، ويُهوَّن من أثر سحبها عن الرجل وأبنائه وأحفاده، نكون قد أعدنا تعريف الحقوق بمنطق الهبات، وحوّلنا مسألة إنسانية عميقة إلى إجراء إداري بارد. والأخطر أننا نقلّل من قيمة كل من ساهم في بناء الوعي الوطني خارج دوائر المال والسلطة، وكأن الرمزية الثقافية والرياضية تفاصيل هامشية في بناء الدول.
وختم العنجري بالقول إن أحمد الطرابلسي لا يحتاج شهادة من أحد، لكن الخطاب العام يحتاج اتساعًا أكبر من هذا الاختزال .
لم يسبق لي أن وجدت حاجة للتعليق على ما تكتبه، لأنني غالبًا لا أجد في طرحك ما يستدعي التوقف عنده. لكن حديثك عن أحمد الطرابلسي يستحق الوقوف، لا دفاعًا عن شخص، بل دفاعًا عن معنى الدولة ومفهوم المواطنة. حين تُختزل الجنسية في “فترة امتياز”، ويُعتبر ما ناله الرجل “كافيًا”، ويُهوَّن من… https://t.co/jjxcLbTBu3
ما يجري اليوم في الكويت تجاوز حدود ملف إداري حول الجنسيات، ليصل إلى سؤال جوهري حول طبيعة الدولة نفسها :
بين دعوات التحرك الشعبي، والغضب المتصاعد، وخطابات التبرير القانوني، تقف الكويت أمام لحظة مفصلية في تاريخها السياسي والاجتماعي ، عنوانها الأبرز: معركة تعريف المواطنة في دولة الدستور.
