وطن – تقرير حصري – منذ مطلع هذا العام، بدأت وزارة العدل الأميركية تنفيذ قرارات قضائية تقضي بالإفراج التدريجي عن ملايين الصفحات من الوثائق المرتبطة بملف رجل الأعمال الأميركي الراحل جيفري إبستين، وذلك ضمن مسار قانوني طويل يهدف إلى إتاحة الوثائق ذات الصلة بالمصلحة العامة، بعد سنوات من السرية.
هذه الوثائق لا تقتصر على قضايا الاعتداء الجنسي التي أُدين بها إبستين، بل تشمل مراسلاته الخاصة، ورسائله النصية، ومحادثاته الهاتفية، وتفاعلاته مع شخصيات سياسية ومالية وإعلامية نافذة في الولايات المتحدة وخارجها.
من بين هذه الوثائق، تبرز محادثة نصية أطلعت عليها “وطن” وقد جرت عبر تطبيق iMessage بتاريخ 12 أكتوبر/تشرين الأول 2018، أي بعد عشرة أيام فقط من اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.
الوثيقة لا تمثل موقفًا رسميًا لأي حكومة، ولا تُعد محضر تحقيق، لكنها تكشف بوضوح نادر كيف كانت الجريمة تُناقَش داخل غرف النفوذ الغربية في لحظتها الأولى.

أولًا: من هو صاحب الوثيقة؟ ومن المتحدثون؟
1. جيفري إبستين

- رجل أعمال أميركي
- صاحب شبكة علاقات واسعة مع سياسيين، ممولين، أكاديميين، وشخصيات نافذة
- الهاتف الذي استُخرجت منه المحادثة يعود إليه شخصيًا
- الوثيقة جزء من تفريغ جنائي رسمي محفوظ ضمن ملف أدلة رقمية تابع لوزارة العدل الأميركية
في هذه المحادثة، إبستين ليس متهمًا ولا شاهدًا قضائيًا، بل طرفًا متحدثًا ينقل ويعلّق ويحلّل.
2. ستيف بانون

- المستشار الاستراتيجي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب
- أحد أبرز منظّري اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة
- شخصية مؤثرة في شبكات سياسية وإعلامية دولية
في هذه الوثيقة، بانون هو الطرف الأكثر مباشرة وصراحة في توصيفه للأزمة.
ثانيًا: ماذا قال ستيف بانون حرفيًا؟
1. التقدير الأولي لمآلات الأزمة
في بداية المحادثة، كتب ستيف بانون جملة قصيرة لكنها حاسمة:
«قضية محمد بن سلمان هذه ستنتهي بشكل سيئ»
هذه العبارة قيلت:
- في 12 أكتوبر 2018
- قبل صدور أي عقوبات
- وقبل تبلور الرواية الدولية الرسمية
الجملة ليست تعليقًا أخلاقيًا، بل تقدير موقف سياسي مبكر يفيد بأن بانون رأى في القضية مسارًا تصاعديًا لا يمكن احتواؤه بسهولة.
2. ربط الاغتيال بالأسواق المالية
لاحقًا في المحادثة، يضيف بانون:
«نعم، وأعتقد أن حركة الأسواق مرتبطة بما يجري»
هنا يقرر بانون صراحة أن:
- تداعيات اغتيال خاشقجي لم تبقَ في المجال السياسي
- بل بدأت تنعكس على الأسواق المالية
الحديث هنا ليس عن عدالة أو محاسبة، بل عن كلفة اقتصادية مباشرة.
3. غياب المدافعين العلنيين
في موضع آخر، يقول بانون بوضوح:
«لا أرى أحدًا مستعدًا للدفاع عنك علنًا»
هذا التصريح يحمل دلالة مركزية في عالم السياسة الغربية، حيث يُعد وجود المدافعين العلنيين — من قانونيين وإعلاميين ونواب — عنصرًا حاسمًا في احتواء الأزمات.
غياب هؤلاء، وفق منطق بانون، يعني عزلة سياسية حقيقية.
4. المقارنة مع إسرائيل
في سياق الحديث عن الدفاع السياسي، يضيف بانون:
«على الأقل إسرائيل لديها من يدافع عنها علنًا، بينما لا أرى أحدًا يفعل ذلك هنا»
المقارنة لا تتعلق بالقضية ذاتها، بل بـ أدوات الدفاع المتاحة، ما يعكس نظرة براغماتية بحتة إلى إدارة الأزمات.
5. توصيفه النهائي للوضع
يختصر بانون موقفه بجملة مباشرة:
«الصفقة المتعلقة بمحمد بن سلمان أصبحت قاسية»
أي أن:
- هامش المناورة تقلّص
- والكلفة السياسية ارتفعت
- ولم يعد بالإمكان التعامل مع الأزمة كحادثة عابرة
ثالثًا: ماذا قال جيفري إبستين حرفيًا؟
1. توصيفه لموازين القوة
إبستين يستخدم لغة مختلفة، أقرب إلى عالم المال والإدارة، فيقول:
«مواقع النفوذ تتغير بسرعة في عالمك»
العبارة تعكس تصورًا يرى القيادة السياسية:
- كمنصب إداري
- قابل للتعديل أو الاستبدال عند ارتفاع الكلفة
2. النصيحة المباشرة
يتابع إبستين قائلًا:
«عليك أن تعيد تقييم موقعك على الطاولة»
وهي دعوة صريحة إلى:
- مراجعة التحالفات
- وعدم افتراض ثبات الموقع أو الحماية
3. تقييمه لدور محمد بن زايد

في أخطر مقطع في الوثيقة، يقول إبستين:
«حدسي يقول إن محمد بن زايد لعبها بذكاء»
هذه العبارة:
- لا تتضمن اتهامًا مباشراً بل تلميحاً
- ولا تشير إلى فعل مباشر
- لكنها تمثل تقييم نفوذ سياسي سرعان ما سيتطور لعبارة اخرى سيأتي ذكرها.
إبستين يرى أن محمد بن زايد:
- لم يُحاصر سياسيًا
- لم يتحمل كلفة الأزمة
- وخرج منها رابحاً
4. السؤال الكلاسيكي في عالم الاستخبارات
يعقّب إبستين مباشرة:
«أقدم الأسئلة دائمًا: من المستفيد؟»
السؤال لا يفترض إجابة، لكنه يوحي لمستشار ترامب في إعادة التفكير:
- قراءة الأزمات من زاوية الرابح والخاسر
- لا من زاوية الجريمة والعدالة
5. رواية متداولة حول تسريب فيديو الاغتيال
في مقطع آخر، ينقل إبستين رواية قال صراحة إنها منقولة إليه، حيث كتب:
«ما قيل لي ومن مصدر ثانوي أن أحد المشاركين في عملية الاغتيال قام بتسجيل الفيديو على هاتفه الشخصي، وأن الهاتف تعرّض للاختراق لاحقًا»
هذه العبارة هي أهم بل كل ما أراد إبستين أن يقوله لهذه الشخصية المهمة في إدارة ترامب الأولى. فالمعروف أن محمد بن زايد كان أول زبائن إسرائيل في شراء تكنولجيتها لإختراق الهواتف وبالأخص آي فون. وتوحي العبارة بأن ابن زايد استطاع اختراق هاتف (أحد المشاركين) وسرب الفيديو
رابعًا: ماذا تكشف الوثيقة دون تأويل؟
الوثيقة لا تقول:
- من أصدر الأمر
- ولا من نفّذ الجريمة
- ولا كيف ستتم المحاسبة
لكنها تكشف بوضوح أن:
- الجريمة نوقشت داخل النخب الغربية بوصفها أزمة نفوذ
- محمد بن سلمان عُدّ عبئًا سياسيًا مؤقتًا
- غياب المدافعين العلنيين كان عنصر ضعف جوهري
- محمد بن زايد قُيّم كلاعب خرج بنفوذ أكبر وأوسع واقوى بعد عزل محمد بن سلمان.
- السؤال المركزي لم يكن: من المجرم؟ بل: من سيبقى على الطاولة؟
اقرأ أيضاً:












