وطن-في تطور دبلوماسي لافت بعد أشهر من التوتر الميداني، تستعد إيران والولايات المتحدة للعودة إلى طاولة المفاوضات النووية، في أول لقاء من نوعه منذ استهداف واشنطن ثلاثة مواقع نووية إيرانية صيف العام الماضي، وذلك في محاولة لتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية جديدة.
اتصالات تمهّد الطريق إلى إسطنبول
تحركات دبلوماسية محمومة شهدتها العواصم الإقليمية خلال الأيام الأخيرة، أملاً في كسر الجمود بين الجانبين. وتأتي إسطنبول في صدارة المشهد بعدما وافقت أنقرة على استضافة جولة جديدة من المحادثات المباشرة بين طهران وواشنطن، بمشاركة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب المستشار جاريد كوشنر، يوم الجمعة المقبل، بحسب مصادر مطلعة.
كما أكدت هذه المصادر أن وزراء خارجية كلٍّ من مصر، وقطر، والإمارات، والسعودية، وعُمان، وباكستان سيحضرون الاجتماعات، في خطوة تهدف إلى توفير مظلة إقليمية تضمن بيئة تفاوضية أكثر استقرارًا. وأكدت الخارجية الباكستانية تلقيها دعوة رسمية للمشاركة في هذه الجهود.
موقف إيراني مشروط
من جهته، أوضح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عبر منصة “إكس” أنه منح وزير خارجيته الضوء الأخضر للدخول في مفاوضات “عادلة ومتوازنة”، شريطة أن يتم ذلك في “مناخ خالٍ من التهديدات والتوقعات غير المنطقية”، مؤكدًا أن هذه الخطوة جاءت استجابةً “لمطالب من دول صديقة في المنطقة”.
وشدد بزشكيان على أن أي حوار سيكون “ضمن إطار المصالح الوطنية الإيرانية”، مؤكداً تمسّكه بمبادئ “الكرامة والحكمة والتوازن” خلال العملية التفاوضية.
ورغم هذا الانفتاح النسبي، فإن القرار النهائي في الملف النووي يبقى بيد المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي وجّه تحذيرًا صريحًا من أن أي ضربة أمريكية ضد إيران ستشعل “حربًا إقليمية لا تُحمد عقباها”.
تهديدات أمريكية واستنفار عسكري
على الجانب الآخر، صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته خلال الأسابيع الماضية، محذرًا طهران من “عواقب جسيمة” إن لم تُبدِ مرونة في صياغة اتفاق نووي جديد. كما أرسل واشنطن حاملة طائرات ومجموعة هجومية بحرية إلى المنطقة، في رسالة ضغط واضحة.
وتحدثت تقارير أمريكية عن أن الإدارة تدرس خيارات عسكرية متعددة تشمل استهداف قيادات إيرانية ومواقع حكومية ومنشآت نووية، بينما أكد مسؤولون أن وجود القوات الأمريكية في المنطقة بات كافيًا لدعم أي عملية محتملة.
إيران من جهتها لم تخفِ استعدادها للرد، إذ تمتلك ترسانة تضم آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة القادرة على بلوغ القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، إضافة إلى تهديدات باستهداف إسرائيل حال تعرضها لهجوم.
خلاف داخلي حول حدود التفاوض
ورغم إعلان عراقجي ثقته بإمكانية التوصل إلى تفاهم جديد، فإن مواقف بعض القيادات الإيرانية جاءت أقل مرونة. إذ صرّح علي باقري، رئيس إدارة السياسة الخارجية في المجلس الأعلى للأمن القومي، أن بلاده “لا تعتزم التفاوض حول مخزونها من اليورانيوم المخصّب”، في تلميح إلى تمسكها بمستوى التخصيب الحالي. كما قال علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى، إن أي خفض لنسبة التخصيب يجب أن يقابله “عرضٌ ملموس من الجانب الأمريكي”.
وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد أعربت قبل عام عن “قلق بالغ” من رفع إيران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، مشيرة إلى أنها الدولة الوحيدة غير النووية التي تبلغ هذا المستوى من التخصيب.
إرث الضربات السابقة
منذ الهجمات الأمريكية على منشآتها النووية، تعمل إيران على إعادة بناء منشآت أكثر عمقًا تحت الأرض، بحسب مصادر مطلعة على تقييمات استخباراتية حديثة، فيما ما زالت تمنع مفتشي الأمم المتحدة من دخول بعض مواقعها الحساسة.
يُذكر أن طهران وواشنطن كانتا قد أجرتا جولات غير مباشرة في شهري أبريل ومايو 2025، قبل أن يؤدي هجوم إسرائيلي مفاجئ في منتصف يونيو إلى انهيار المحادثات، تلاه بعد أيام استهداف أمريكي جديد أنهى المسار التفاوضي آنذاك.
لا يزال التحرك الجديد محاطًا بالحذر والترقب، لكنه يعكس إدراكًا مشتركًا في العواصم الإقليمية بأن أي اشتعال جديد بين إيران والولايات المتحدة ستدفع ثمنه منطقة أنهكتها الأزمات. وبينما يتطلع الوسطاء إلى أن تكون إسطنبول نقطة انطلاق نحو خفض التصعيد، تبقى الآمال معلّقة على إرادة سياسية قادرة على تغليب منطق الحوار على لغة السلاح.
اقرأ المزيد
خالد بن سلمان يدعو ترامب لضرب إيران وتصعيد الموقف السعودي في مواجهة طهران
تصعيد جديد بين واشنطن وطهران بعد إعلان ترامب إرسال أسطول أمريكي نحو إيران












