وطن-في ظلّ مرحلة إقليمية دقيقة يعاد فيها رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، يستعدّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، في زيارة طارئة يغلب عليها الطابع الأمني لا البروتوكولي. فالموضوع الإيراني يتصدر جدول الأعمال، وسط مؤشرات على خلاف داخل الدوائر الأميركية بشأن أسلوب التعامل مع طهران، بين دعاة التصعيد وأنصار التفاوض الحذر.
سياق متوتر يسبق اللقاء
كانت الزيارة مقررة في الأصل للأسبوع المقبل، لكن نتنياهو أصرّ على تعجيلها بعد اجتماعٍ استثنائي عقده مبعوثا الرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مع نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في سلطنة عُمان، في أول جولة حوار بين الجانبين منذ أشهر. ورغم اتفاق الطرفين على استمرار المحادثات، لم يُعلن عن موعد جديد للجولة المقبلة، فيما يشهد الإقليم تصعيداً عسكرياً مقلقاً.
وأكد عراقجي حينها أن النقاش اقتصر على البرنامج النووي الإيراني، غير أن نتنياهو يسعى لإقناع البيت الأبيض بتوسيع إطار التفاوض ليشمل ملفي الصواريخ الباليستية ودعم طهران للفصائل المسلحة في المنطقة، معتبراً أن تجاهل هذين البعدين يفرغ أي اتفاق من مضمونه.
“قضية أمن عالمي”
قبيل مغادرته تل أبيب، صرح نتنياهو أنه سيعرض على ترامب “رؤية إسرائيل لمبادئ أي تسوية مستقبلية”، مضيفاً أن هذه المبادئ “لا تمسّ أمن إسرائيل وحدها، بل تهمّ كل من يسعى للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط”. هذا اللقاء سيكون السابع بين الرجلين خلال عام واحد منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ما يعكس – وفق نتنياهو – “طبيعة العلاقة الخاصة وغير المسبوقة” بين البلدين.
حسابات سياسية وانتخابية
يحرص نتنياهو، وفق مراقبين في إسرائيل، على استثمار ما يسميه “العلاقة الشخصية” مع ترامب لتشديد موقف واشنطن من إيران، وإقصاء الأصوات الأميركية الداعية إلى المرونة، وعلى رأسها ويتكوف. ويعتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن النظام الإيراني يمرّ بمرحلة ضعف غير مسبوقة، ويراهن على تضييق الخناق عليه إلى حدّ دفعه لتنازلات جوهرية يمكن عرضها كإنجاز سياسي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل.
الموقف الإيراني وتحذيرات طهران
ردّ طهران على التحركات الإسرائيلية جاء عبر تصريح صادر عن علي لاريجاني، أمين مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني، دعا فيه الولايات المتحدة إلى “التصرّف بعقلانية” وعدم السماح لنتنياهو “بفرض أجندته الخاصة على مسار التفاوض”. وأضاف أن على واشنطن أن تبقى “يقظة تجاه الدور التخريبي للصهاينة”، على حدّ تعبيره.
شروط إسرائيل والاختلاف داخل واشنطن
لا تُبدي إسرائيل التي تملك أحد أقوى جيوش المنطقة وقدرات نووية غير معلنة، استعدادًا لأي حلول وسط. فهي تطالب بتخلي إيران عن كل مخزونها من اليورانيوم المخصّب ونقلِه إلى خارج البلاد، إلى جانب فرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى. كما تدعو إلى تحديد مهلة قصيرة لطهران لقبول تلك الشروط، بينما يميل كل من ويتكوف وكوشنر إلى التريّث وإبقاء الأبواب مفتوحة أمام المسار الدبلوماسي.
“مهمة صعبة”
كتب الكاتب الإسرائيلي نحوم برنيا، في صحيفة يديعوت أحرونوت أن نتنياهو “يحاول إقناع ترامب بالتحرك ضد قناعاته الشخصية وضد مصالح أنصاره وحلفائه في الشرق الأوسط”، موضحًا أن المخاطر السياسية كبيرة وأن النجاح غير مضمون. وأضاف أن نتنياهو “يدعو ترامب إلى المقامرة”.
موقف الحكومة الإسرائيلية
وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، أكد من ناحيته أن رسالة تل أبيب واضحة: “من وجهة نظرنا، وبناءً على تجارب الماضي، لا جدوى من التفاوض مع إيران”.
القوات الأميركية ورسائل الضغط
الجولة الأولى من الحوار الأميركي ـ الإيراني ضمّت للمرة الأولى القائد الميداني للقوات الأميركية في الشرق الأوسط، الجنرال براد كوبر، في إشارة إلى أن واشنطن أرادت موازنة التفاوض بإظهار القوة. ويذكّر حضور كوبر بالأسطول الأميركي الموجود في المنطقة، وفي مقدمته حاملة الطائرات إبراهام لنكولن، التي قد تنضم إليها حاملة ثانية – وفق ما لمح إليه ترامب – إذا فشلت المفاوضات. ويأتي ذلك بينما يفتقر أعضاء الفريق التفاوضي الأميركي إلى الخبرة الدبلوماسية العميقة، إذ ينتمي معظمهم إلى قطاع الأعمال لا إلى المؤسسات الأمنية أو النووية.
غموض في نتائج الجولة الأولى
لم تتضح نتائج تلك الجولة سوى اتفاق الطرفين على مواصلة الحوار. ترامب تحدث عن “بداية جيدة”، مؤكداً أنه “ليس في عجلة من أمره”، بينما وصف عراقجي اللقاء بأنه مجرد “إطار لتبادل الأفكار”، دون الدخول في مفاوضات فعلية. الفارق في التوصيف يعكس عمق التباعد بين الجانبين.
البرنامج النووي ومطالب واشنطن
تطالب الولايات المتحدة بأن تسلّم إيران أي يورانيوم مخصّب تمتلكه، خصوصاً ذلك الذي يبلغ تركيزه 60% والمقرّب من مستوى الاستخدام العسكري، إضافة إلى ما دفن تحت أنقاض بعض المنشآت التي قصفت في حرب الأيام الاثني عشر العام الماضي. كما تريد واشنطن أن تشمل التسوية نطاق الصواريخ الباليستية، وإنهاء الدعم الإيراني للفصائل المسلحة في لبنان وغزة واليمن، فضلاً عن تحسين سجلّ حقوق الإنسان بعد قمع الاحتجاجات الأخيرة.
في المقابل، تؤكد طهران استعدادها للعودة إلى الاتفاق النووي القديم الذي انسحب منه ترامب سابقاً، لكنها ترفض بشكل قاطع أي مساس ببرنامجها الصاروخي، وتعتبره “جزءاً من سيادتها الوطنية ووسيلة ردع لا يمكن التنازل عنها”.
تكتيك يجمع بين الضغط والتفاوض
تبدو مقاربة الإدارة الأميركية الحالية مزيجاً بين التهديد والاحتواء، على غرار ما اتبعته واشنطن قبيل تدخلها في فنزويلا قبل سنوات: موازنة التواصل السياسي مع تصعيد العقوبات وحشد عسكري متزايد في المنطقة. وتعتمد هذه السياسة على تقدير يفيد بأن إيران تمرّ بمرحلة ضعف داخلي وخسائر متزايدة في صفوف الميليشيات المرتبطة بها.
احتمالات مفتوحة
يرى الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية الدولية، كريم سجادبور، أن “ترامب يعتقد أن إيران اليوم أضعف من أي وقت مضى، وأنها حتى فقدت السيطرة على أجوائها”. ويضيف أن فشل المفاوضات سيجعل “إقدام واشنطن على خطوة عسكرية أكثر رجحاناً”.
ويظلّ المشهد، بحسب مراقبين، مفتوحاً على احتمالات متعددة، من استمرار التصعيد السياسي إلى مواجهة عسكرية محدودة، أو ربما بداية تسوية جديدة تعيد خلط أوراق المنطقة مرة أخرى.
بين شدّ وجذب، يظهر أن ملف إيران لا يُدار فقط من خلف الطاولة، بل في سماء مزدحمة بطائرات الإنذار وبحسابات انتخابية متبادلة. وبينما يسعى نتنياهو للعودة إلى بلاده بانتصار يحظى بالتصفيق، تحاول طهران تجنّب الانهيار مع الحفاظ على هيبتها. وفي هذا التوازن الدقيق، يبقى الشرق الأوسط على موعدٍ دائم مع اختبار جديد للسلام الهشّ الذي ما زال ينتظر فرصته الحقيقية.
إقرأ المزيد
في تحول مفاجئ: إيران تقبل التفاوض النووي مع أمريكا بشروط محددةبعد أشهر من التصعيد العسكري
تصعيد جديد بين واشنطن وطهران بعد إعلان ترامب إرسال أسطول أمريكي نحو إيران
واشنطن تقترب من ساعة الصفر: قاعدة الأردن تتحول إلى غرفة عمليات لضرب إيران












