وطن-في خضم تصاعد التوتر السياسي والعسكري بين واشنطن ولندن، برزت مؤشرات على فتور غير مسبوق في العلاقات التاريخية بين البلدين، عقب انتقادات وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بسبب ما وصفه بـ”غياب الدعم الكافي” من لندن للهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
توتر غير مألوف بين حليفين قديمين
التوتر الأخير بدأ حين امتنعت الحكومة البريطانية، في الساعات الأولى من الهجمات التي انطلقت صباح السبت، عن السماح للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة “دييغو غارسيا” المشتركة في جزر تشاغوس لتوجيه ضربات ضد أهداف إيرانية. القرار جاء، وفق تقارير محلية، استنادًا إلى توصيات قانونية من النائب العام لورد ريتشارد هيرمر، قبل أن يعلن ستارمر لاحقًا السماح بالاستخدام المحدود للقواعد البريطانية لاستهداف مواقع الصواريخ الإيرانية فقط.
تصريحات حادة من البيت الأبيض
ترامب، في حديث لصحيفة بريطانية، عبّر عن امتعاضه من مواقف لندن، قائلاً إن “المملكة المتحدة لم تعد كما يعرفها الجميع”، مضيفًا أن على الحكومة “أن تمنع دخول أشخاص قادمين من دول يكنّ سكانها الكراهية لبريطانيا”. كما لمح إلى أن موقف ستارمر قد يكون مرتبطًا، على حد تعبيره، بـ”السعي وراء أصوات الناخبين المسلمين” داخل البلاد.
وأضاف الرئيس الأمريكي أن العلاقة التي كانت “الأقوى بين جميع التحالفات” لم تعد كما كانت، مشيرًا إلى أن بلاده “تتمتع بعلاقات قوية مع دول أوروبية أخرى”، فيما وصف موقف الحكومة البريطانية بأنه “مخيّب للآمال وغير مألوف من المملكة المتحدة”.
وفي معرض حديثه عن موقف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أثنى ترامب على فرنسا ودول أوروبية أخرى، لكنه شدد على أن بريطانيا أصبحت “مختلفة جدًا”، معتبرًا أن العاصمة لندن “تبدّلت بشكل كبير”، ووجّه انتقادات حادة لعمدة المدينة، واصفًا إياه بأنه “سيئ الإدارة”.
رأي عام بريطاني منقسم
على صعيد الداخل البريطاني، أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “يوغوف” أن قرابة نصف البريطانيين (49%) يعارضون أي عمل عسكري أمريكي ضد إيران، مقابل 28% فقط يؤيدون الخطوة، فيما عبّر 50% عن رفضهم لاستخدام القوات الأمريكية للقواعد الجوية البريطانية، في حين أيد 30% فقط هذا القرار.
انقسام سياسي في لندن
الجدل لم يتوقف عند حدود العلاقات الخارجية، إذ تحوّل الملف إلى ساحة مواجهة داخلية بين الأحزاب البريطانية. فقد دعت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوتش وزعيم حزب “الإصلاح” نايجل فاراج إلى منح واشنطن حرية استخدام القواعد البريطانية كاملة في أي عمليات ضد إيران، معتبرين أن حذر الحكومة يعكس “تأثرًا بالاعتبارات الانتخابية الخاصة بالناخبين المسلمين”.
أما زعيما “الليبراليين الديمقراطيين” إد ديفي و”حزب الخضر” زاك بولانسكي، فطالبا بعرض القرار على البرلمان للتصويت، معتبرين أن السماح باستخدام القواعد العسكرية يجب أن يخضع للرقابة التشريعية. ووصف بولانسكي منح هذه الموافقة بأنه “خطوة خاطئة”، وذهب إلى حد وصف واشنطن بأنها “دولة مارقة”.
أزمة ثقة في مرحلة دقيقة
الانتقادات الأمريكية والمواقف البريطانية المنقسمة تكشف عن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات التقليدية بين ضفتي الأطلسي. فبينما تسعى لندن للموازنة بين التزاماتها الدفاعية ومقتضيات القانون الدولي والرأي العام، تبدو واشنطن غير راضية عن هذا التريث، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل “العلاقة الخاصة” التي جمعت البلدين لعقود.
وفي ظل تعقّد المشهد في الشرق الأوسط، يبدو أن الخلاف الأنجلو-أمريكي لا يقتصر على تكتيكات عسكرية، بل يعكس اختلافًا أعمق في كيفية قراءة الواقع الدولي وتحديد حدود المشاركة في النزاعات الإقليمية.
ختامًا، تبقى لغة التصعيد مؤشّرًا على حاجة ملحّة لمراجعة دبلوماسية هادئة تضمن ألا تتحول الخلافات بين الحلفاء إلى شرخ في توازن العلاقات الغربية التقليدية.
اقرأ أيضاً
بسبب ضرب إيران.. ترامب يهاجم ستارمر والمعارضة البريطانية تطالب بالسيطرة على “قرار الحرب”












