وطن-كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في تقرير استقصائي حديث، عن تحركات ميدانية واسعة يقودها الجيش الإسرائيلي داخل العمق اللبناني، تؤكد وجود نوايا لترسيخ نفوذ عسكري دائم. التقرير، الذي استند إلى شهادات مباشرة من مصادر عسكرية، يفتح الباب أمام تساؤلات جدية: هل تعيد إسرائيل إحياء “المنطقة الأمنية” التي انسحبت منها قبل 26 عاماً؟
تكتيكات الأرض المحروقة: بناء وتحصين
أفادت “هآرتس” أن النمط العملياتي المتبع حالياً في القرى الحدودية اللبنانية يتطابق بشكل مريب مع ما شهده قطاع غزة؛ حيث بدأت الوحدات الهندسية ببناء مواقع عسكرية ثابتة وتحصينات لوجستية. وتشمل هذه العمليات هدم منازل وبنى تحتية كاملة لتسوية الأرض، بهدف إنشاء “منطقة عازلة” ونقاط مراقبة مأهولة بشكل دائم.
وبحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة، تمتلك إسرائيل حالياً خمسة مواقع عسكرية ثابتة داخل الأراضي اللبنانية، أقيمت منذ تصاعد العمليات في 2024، في خطوة تمثل تقويضاً لاتفاقات وقف إطلاق النار السابقة. والأخطر هو ما كشفته المصادر عن خطط عسكرية لمضاعفة هذه المواقع في المستقبل القريب.
أمن “بحكم الأمر الواقع” وغياب الرؤية السياسية
رغم النفي الرسمي لوجود خطة سياسية معلنة لإقامة منطقة أمنية دائمة، إلا أن الواقع الميداني يتحدث بلغة أخرى. ونقلت الصحيفة عن جنود في الميدان تأكيدهم أن هذه المواقع مُصممة لتبقى مأهولة لفترات طويلة، قائلين: “نحن نبني هنا لنمكث، ولا يوجد تصور لما سيحدث لاحقاً، لكن الأهداف الميدانية واضحة”.
ويرى مراقبون لصحيفة “هآرتس” أن غياب التخطيط السياسي الواضح من حكومة نتنياهو قد يقود فعلياً إلى نشوء “منطقة أمنية بحكم الأمر الواقع”، حيث يفرض الجيش واقعاً ميدانياً يصعب التراجع عنه لاحقاً.
من غزة إلى جبال لبنان: نقل الخبرة القتالية
أكد تقرير “هآرتس” أن الضباط الذين يديرون العمليات في لبنان هم أنفسهم من قادوا التوغل في غزة، حيث ينتهجون سياسة “قوائم الهدم اليومية” للمباني اللبنانية. وصرح مصدر عسكري للصحيفة بوضوح: “المقياس الأساسي لنجاحنا اليوم هو عدد المباني التي يتم تسويتها بالأرض يومياً، تماماً كما فعلنا في غزة”. ورغم إقرار الضباط بصعوبة التضاريس الجبلية مقارنة ببيئة غزة، إلا أنهم يصرون على استكمال عمليات “التطهير المكاني” لتأمين الحدود الشمالية.
توقيت حساس ومفاوضات متعثرة
يتزامن هذا التقرير مع انطلاق جولة مفاوضات مباشرة وصفت بالـ “نادرة” في واشنطن بين مسؤولين من بيروت وتل أبيب. إلا أن هذه المحادثات، وبحسب التسريبات، لم تتطرق إلى إنهاء الوجود العسكري، بل تركزت حول وضع “حزب الله” وسلاحه.
في المقابل، يرى الجانب اللبناني، وتحديداً حزب الله، أن هذه التحركات العسكرية الإسرائيلية وبناء المواقع الدائمة هي الدليل القاطع على مطامع إسرائيل التوسعية، مما يعزز من تمسكه بخيار المقاومة المسلحة كضمانة وحيدة لمنع قضم الأراضي اللبنانية تحت ذريعة “أمن الحدود”.
تخلص “هآرتس” إلى أن الحدود الشمالية دخلت مرحلة ضبابية؛ فبينما تتحدث الدبلوماسية في واشنطن عن ترتيبات أمنية، تواصل الجرافات والآليات العسكرية في الجنوب اللبناني فرض واقع جغرافي جديد قد يمتد لسنوات طويلة.
اقرأ المزيد
لبنان أمام مفترق طرق: مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية.. هل تسقط بيروت في فخّ التطبيع؟
“مجزرة الـ 10 دقائق”: إسرائيل تشن أضخم ضربة منسقة على لبنان وتستثني بيروت من هدنة واشنطن وطهران
إسرائيل تخطط لفرض “سيطرة” على جنوب لبنان.. وسموتريتش يدعو لزحف الحدود إلى نهر الليطاني












